الحجة الحادية عشرة : قوله تعالى :﴿وُجُوهٌ يَوْمَـاـاِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة : ٢٢، ٢٣) وتقرير كل واحد من هذه الوجوه سيأتي في الموضع اللائق به من هذا الكتاب. وأما الأخبار فكثيرة منها الحديث المشهور وهو قوله عليه السلام :"سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته" واعلم أن التشبيه وقع في تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح لا في تشبيه المرئي بالمرئي، ومنها ما اتفق الجمهور عليه من أنه صلى الله عليه وسلّم قرأ قوله تعالى :﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ (يونس : ٢٦) فقال الحسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله، ومنها أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في أن النبي صلى الله عليه وسلّم هل رأى الله ليلة المعراج، ولم يكفر بعضهم بعضاً بهذا السبب ؟
وما نسبه إلى البدعة والضلالة، وذا يدل على أنهم كانوا مجمعين على أنه لا امتناع عقلاً في رؤية الله تعالى، فهذا جملة الكلام في سمعيات مسألة الرؤية.
المسألة الخامسة : دل قوله تعالى :﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الابْصَـارَ ﴾ على أنه تعالى يرى الأشياء ويبصرها ويدركها. وذلك لأنه إما أن يكون المراد من الأبصار عين الأبصار. أو المراد منه المبصرين، فإن كان الأول وجب الحكم بكونه تعالى رائياً لرؤية الرائين ولأبصار المبصرين، وكل من قال ذلك قال إنه تعالى يرى جميع المرئيات والمبصرات. وإن كان الثاني وجب الحكم بكونه تعالى رائياً للمبصرين، فعلى كلا التقديرين تدل هذه الآية على كونه تعالى مبصراً للمبصرات رائياً للمرئيات.
المسألة السادسة : قوله تعالى :﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الابْصَـارَ ﴾ يفيد الحصر معناه أنه تعالى هو يدرك الأبصار ولا يدركها غير الله تعالى، والمعنى أن الأمر الذي به يصير الحي رائياً للمرئيات ومبصراً للمبصرات ومدركاً للمدركات، أمر عجيب وماهية شريفة، لا يحيط العقل بكنهها. ومع ذلك فإن الله تعالى مدرك لحقيقتها مطلع على ماهيتها، فيكون المعنى من قوله :﴿لا تُدْرِكُهُ الابْصَـارُ﴾ هو أن شيئاً من القوى المدركة لا تحيط بحقيقته، وأن عقلاً من العقول لا يقف على كنه صمديته، فكلت الأبصار عن إدراكه، وارتدعت العقول عن الوصول إلى ميادين عزته، / وكما أن شيئاً لا يحيط به، فعلمه محيط بالكل، وإدراكه متناول للكل، فهذا كيفية نظم هذه الآية.
جزء : ١٣ رقم الصفحة : ١٠٤
المسألة السابعة : قوله :﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ اللطافة ضد الكثافة، والمراد منه الرقة، وذلك في حق الله ممتنع، فوجب المصير فيه إلى التأويل، وهو من وجوه :
الوجه الأول : المراد لطف صنعه في تركيب أبدان الحيوانات من الأجزاء الدقيقة، والأغشية الرقيقة والمنافذ الضيقة التي لا يعلمها أحد إلا الله تعالى.
الوجه الثاني : أنه سبحانه لطيف في الإنعام والرأفة والرحمة.
والوجه الثالث : أنه لطيف بعباده، حيث يثني عليهم عند الطاعة، ويأمرهم بالتوبة عند المعصية، ولا يقطع عنهم سواد رحمته سواء كانوا مطيعين أو كانوا عصاة.
الوجه الرابع : أنه لطيف بهم حيث لا يأمرهم فوق طاقتهم، وينعم عليهم بما هو فوق استحقاقهم. وأما الخبير : فهو من الخبر وهو العلم، والمعنى أنه لطيف بعباده مع كونه عالماً بما هم عليه من ارتكاب المعاصي والإقدام على القبائح، وقال صاحب "الكشاف" ﴿اللَّطِيفُ﴾ معناه : أنه يلطف عن أن تدركه الأبصار ﴿الْخَبِيرُ﴾ بكل لطيف، فهو يدرك الأبصار، ولا يلطف شيء عن إدراكه، وهذا وجه حسن.
جزء : ١٣ رقم الصفحة : ١٠٤
١٠٥
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قرر هذه البيانات الظاهرة، والدلائل القاهرة في هذه المطالب العالية الشريفة الإلهية. عاد إلى تقرير أمر الدعوى والتبليغ والرسالة فقال :﴿قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ والبصائر جمع البصيرة، وكما أن البصر اسم للإدراك التام الكامل الحاصل بالعين التي في الرأس، فالبصيرة اسم للإدراك التام الحاصل في القلب. قال تعالى :﴿بَلِ الانسَـانُ عَلَى نَفْسِه بَصِيرَةٌ﴾ (القيامة : ١٤) أي له من نفسه معرفة تامة، وأراد بقوله :﴿قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ الآيات المتقدمة، وهي في أنفسها ليست بصائر إلا أنها لقوتها وجلالتها توجب البصائر لمن عرفها، ووقف على حقائقها، فلما كانت هذه الآيات أسباباً لحصول البصائر. سميت هذه الآيات أنفسها بالبصائر، والمقصود من هذه الآية بيان ما يتعلق بالرسول وما لا يتعلق به.
أما القسم الأول : وهو الذي يتعلق بالرسول، فهو الدعوة إلى الدين الحق، وتبليغ الدلالة والبينات فيها، وهو أنه عليه السلام ما قصر في تبليغها وإيضاحها وإزالة الشبهات عنها، وهو المراد من قوله :﴿قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾.