الحجة الرابعة : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية في إثبات جواز الرؤية قوله تعالى :﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّه لِلْجَبَلِ جَعَلَه دَكًّا﴾ وهذا التجلي هو الرؤية، ويدل عليه وجهان : الأول : إن العلم بالشيء يجلي لذلك الشيء، وأبصار الشيء أيضاً يجلي لذلك الشيء. إلا أن الأبصار في كونه مجلياً أكمل من العلم به وحمل اللفظ على المفهوم الأكمل أولى. الثاني : أن المقصود من ذكر هذه الآية تقرير أن الإنسان لا يطيق رؤية الله تعالى بدليل أن الجبل مع عظمته لما رأى الله تعالى اندك وتفرقت أجزاؤه ولولا أن المراد من التجلي ما ذكرناه وإلا لم يحصل هذا المقصود. فثبت أن قوله تعالى :﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّه لِلْجَبَلِ جَعَلَه دَكًّا﴾ هو أن الجبل لما رأى الله تعالى اندكت أجزاؤه، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أنه تعالى جائز الرؤية أقصى ما في الباب أن يقال : الجبل جماد والجماد يمتنع أن يرى شيئاً، إلا أنا نقول : لا يمتنع أن يقال : إنه تعالى خلق في ذات الجبل الحياة والعقل والفهم، ثم خلق فيه رؤية متعلقة بذات الله تعالى، والدليل عليه أنه تعالى قال :﴿فَضْلا يَـاجِبَالُ أَوِّبِى مَعَه وَالطَّيْرَ ﴾ (سبأ : ١٠) وكونه مخاطباً بهذا الخطاب مشروط بحصول الحياة والعقل فيه فكذا ههنا، فثبت بهذه الوجوه الأربعة دلالة هذه الآية على أنه تعالى جائز الرؤية. أمنا المعتزلة فقالوا : إنه ثبت بالدلائل العقلية والسمعية أنه تعالى تمتنع رؤيته فوجب صرف هذه الظواهر إلى التأويلات. أما دلائلهم العقلية فقد بينا في الكتب العقلية ضعفها وسقوطها، فلا حاجة هنا إلى ذكرها. وأما دلائلهم السمعية فأقوى ما لهم في هذا الباب التمسك بقوله تعالى :﴿لا تُدْرِكُهُ الابْصَـارُ﴾ (الأنعام : ١٠٣) قد سبق في سورة الأنعام ما في هذه الآية من المباحث الدقيقة واللطائف العميقة. واعلم أن القوم تمسكوا بهذه الآية على عدم الرؤية من وجوه : الأول : التمسك بقوله تعالى :﴿لَن تَرَانِى﴾ وتقرير الاستدلال أن يقال : إن هذه الآية تدل على أن موسى عليه السلام لا يرى الله ألبتة لا في الدنيا ولا في القيامة، ومتى ثبت هذا ثبت أن أحداً لا يراه ألبتة / ومتى ثبت هذا ثبت أنه تعالى يمتنع أن يرى، فهذه مقدمات ثلاثة.
جزء : ١٤ رقم الصفحة : ٣٥٩
أما المقدمة الأولى : فتقريرها من وجوه : الأول : ما نقل عن أهل اللغة أن كلمة "لن" للتأبيد. قال الواحدي رحمه الله : هذه دعوى باطلة على أهل اللغة، وليس يشهد بصحته كتاب معتبر، ولا نقل صحيح. وقال أصحابنا : الدليل على فساده قوله تعالى في صفة اليهود ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدَا ﴾ (البقرة : ٩٥) مع أنهم يتمنون الموت يوم القيامة. والثاني : أن قوله :﴿لَن تَرَانِى﴾ يتناول الأوقات كلها بدليل صحة استثناء أي وقت أريد من هذه الكلمة، ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ وهذا أيضاً ضعيف، لأن تأثير الاستثناء في صرف الصحة لا في صرف الوجوب على ما هو مقرر في أصول الفقه. الثالث : أن قوله لن أفعل كذا، يفيد تأكيد النفي، ومعناه أن فعله ينافي حالته كقوله تعالى :﴿لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه ﴾ (الحج : ٧٣) وهذا يدل على أن الرؤية منافية للإلهية، والجواب : أن ﴿لَنْ﴾ لتأكيد نفي ما وقع السؤال عنه، والسؤال إنما وقع عن تحصيل الرؤية في الحال. فكان قوله :﴿لَن تَرَانِى﴾ نفياً لذلك المطلوب، فأما أن يفيد النفي الدائم فلا. فهذه جملة الكلام في تقرير هذه المسألة.
أما المقدمة الثانية : فقالوا : القائل اثنان : قائل يقول : إن المؤمنين يرون الله وموسى أيضاً يراه، وقائل ينفي الرؤية عن الكل، أما القول بإثباته لغير موسى ونفيه عن موسى فهو قول خارق للإجماع وهو باطل.
وأما المقدمة الثالثة : فهي أن كل من نفي الوقوع نفي الصحة، فالقول بثبوت الصحة مع نفي الوقوع قول على خلاف الإجماع وهو باطل. واعلم أن بناء هذه الدلالة على صحة المقدمة الأولى، فلما ثبت ضعفها سقط هذا الاستدلال بالكلية.
الحجة الثانية للقوم : أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه خر صعقاً، ولو كانت الرؤية جائزة. فلم خر عند سؤالها صعقاً ؟
والحجة الثالثة : أنه عليه السلام لما أفاق قال سبحانك، وهذه الكلمة للتنزيه، فوجب أن يكون المراد منه تنزيه الله تعالى عما تقدم ذكره، والذي تقدم ذكره هو رؤية الله تعالى، فكان قوله :﴿سُبْحَـاـنَكَ﴾ تنزيهاً له عن الرؤية. فثبت بهذا أن نفي الرؤية تنزيه الله تعالى. وتنزيه الله إنما يكون عن النقائص والآفات، فوجب كون الرؤية من النقائص والآفات، وذلك على الله محال. فثبت أن الرؤية على الله ممتنعة.
جزء : ١٤ رقم الصفحة : ٣٥٩
والحجة الرابعة : قوله تعالى حكاية عن موسى لما أفاق أنه قال :﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ ولولا أن طلب الرؤية ذنب لما تاب منه، ولولا أنه ذنب ينافي صحة الإسلام لما قال :﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.


الصفحة التالية
Icon