واعلم أن الاصطفاء استخلاص الصفوة فقوله :﴿اصْطَفَيْتُكَ﴾ أي اتخذتك صفوة على الناس قال ابن عباس : يريد فضلتك على الناس، ولما ذكر أنه تعالى اصطفاه ذكر الأمر الذي به حصل هذا الاصطفاء فقال :﴿بِرِسَـالَـاتِي وَبِكَلَـامِي﴾ قرأ ابن كثير ونافع على الواحد والباقون ﴿النَّاسِ بِرِسَـالَـاتِي﴾ على الجمع، وذلك أنه تعالى أوحى إليه مرة بعد أخرى، ومن قرأ فلأن الرسالة تجري مجرى المصدر، فيجوز إفرادها في موضع الجمع، وإنما قال :﴿إِنِّى اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ ولم يقل على الخلق، لأن الملائكة قد تسمع كلام الله من غير واسطة كما سمعه موسى عليه السلام.
فإن قيل : كيف اصطفاه على الناس برسالاته مع أن كثيراً من الناس قد ساواه في الرسالة ؟
قلنا : إنه تعالى بين أنه خصه من دون الناس بمجموع الأمرين، وهو الرسالة مع الكلام بغير واسطة، وهذا المجوع، ما حصل لغيره، فثبت أنه إنما حصل التخصيص ههنا لأنه سمع ذلك الكلام بغير واسطة، وإنما كان الكلام بغير واسطة سبباً لمزيد الشرف بناء على العرف الظاهر، لأن من سمع كلام الملك العظيم من فلق فيه كان أعلى حالاً وأشرف مرتبة ممن سمعه بواسطة الحجاب والنواب، ولما ذكر هذين النوعين من النعمة العظيمة. قال :﴿فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّـاكِرِينَ﴾ يعني فخذ هذه النعمة، ولا يضيق قلبك بسبب منعك الرؤية، واشتغل بشكر الفوز بهذه النعمة والاشتغال بشكرها إنما يكون بالقيام بلوازمها علماً وعملاً. والله أعلم.
جزء : ١٤ رقم الصفحة : ٣٥٩
٣٦٥
اعلم أنه تعالى لما بين أنه خص موسى عليه السلام بالرسالة ذكر في هذه الآية تفصيل تلك الرسالة فقال :﴿وَكَتَبْنَا لَه فِى الالْوَاحِ﴾ نقل صاحب "الكشاف" عن بعضهم : أن موسى خر صعقاً يوم عرفة. وأعطاه الله تعالى التوراة يوم النحر، وذكروا في عدد الألواح، وفي جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح. وقيل : سبعة. وقيل إنها كانت من زمردة جاء بها جبريل عليه السلام. وقيل من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء. وقال الحسن : كانت من خشب نزلت من السماء. وقال وهب : كانت من صخرة صماء لينها الله لموسى عليه السلام، وأما كيفية الكتابة. فقال ابن جريج كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور.
واعلم أنه ليس في لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الألواح، وعلى كيفية تلك الكتابة، فإن ثبت ذلك التفصيل بدليل منفصل قوي، وجب القول به وإلا وجب السكوت عنه.
وأما قوله : من كل شيء} فلا شبهة فيه أنه ليس على العموم، بل المراد من كل ما يحتاج إليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام والمحاسن والمقابح.
وأما قوله : فلا شبهة فيه أنه ليس على العموم، بل المراد من كل ما يحتاج إليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام والمحاسن والمقابح.
وأما قوله :﴿مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلا لِّكُلِّ شَىْءٍ﴾ فهو كالبيان للجملة التي قدمها بقوله :﴿مِن كُلِّ شَىْءٍ ﴾ وذلك لأنه تعالى قسمه إلى ضربين : أحدهما :﴿مَّوْعِظَةٌ﴾ والأخر ﴿تَفْصِيلا﴾ لما يجب أن يعلم من الأحكام، فيدخل في الموعظة كل ما ذكره الله تعالى من الأمور التي توجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية، وذلك بذكر الوعد والوعيد، ولما قرر ذلك أولاً أتبعه بشرح أقسام الأحكام وتفصيل الحلال والحرام، فقال :﴿وَتَفْصِيلا لِّكُلِّ شَىْءٍ﴾ ولما شرح ذلك، قال لموسى :﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي بعزيمة قوية ونية صادقة، ثم أمره الله تعالى أن يأمر قومه بأن يأخذوا بأحسنها، وظاهر ذلك أن بين التكليفين فرقاً، ليكون في هذا التفصيل فائدة، ولذلك قال بعض المفسرين : إن التكليف كان على موسى عليه السلام أشد، لأنه تعالى لم يرخص له ما رخص لغيره، وقال بعضهم : بل خصه من حيث كلفه البلاغ والأداء. وإن كان مشاركاً لقومه فيما عداه، وفي قوله :﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ﴾.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٦٥
سؤال : وهو أنه تعالى لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأموراً به، وظاهر قوله ﴿يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ﴾ يقتضي أن فيه ما لبس بأحسن، وإنه لا يجوز لهم الأخذ به، وذلك متناقض وذكر العلماء في الجواب عنه وجوهاً : الأول : أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن، كالقصاص، والعفو، والانتصار، والصبر، أي فمرهم أن يحملوا أنفسهم على الأخذ بما هو أدخل في الحسن، وأكثر للثواب كقوله :﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم﴾ (الزمر : ٥٥) وقوله :﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه ا ﴾ (الزمر : ١٨).
فإن قالوا : فلما أمر الله تعالى بالأخذ بالأحسن، فقد منع من الأخذ بذلك الحسن، وذلك يقدح في كونه حسناً فنقول يحمل أمر الله تعالى بالأخذ بالأحسن على الندب حتى يزول هذا التناقض.