الوجه الثاني : في الجواب قال قطرب ﴿يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ﴾ أي بحسنها وكلها حسن لقوله تعالى :﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ (العنكبوت : ٤٥) وقول الفرزدق :
بيتا دعائمه أعز وأطول
الوجه الثالث : قال بعضهم : الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح، وأحسن هذه الثلاثة الواجبات والمندوبات.
وأما قوله :﴿سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَـاسِقِينَ﴾ ففيه وجهان : الأول : أن المراد التهديد والوعيد على مخالفة أمر الله تعالى، وعلى هذا التقدير : فيه وجهان : الأول : قال ابن عباس والحسن ومجاهد دار الفاسقين هي جهنم، أي فليكن ذكر جهنم حاضراً في خاطركم لتحذروا أن تكونوا منهم. والثاني : قال قتادة : سأدخلكم الشام وأريكم منازل الكافرين الذين كانوا متوطنين فيها من الجبابرة والعمالقة لتعتبروا بها وما صاروا إليه من النكال. وقال الكلبي :﴿دَارَ الْفَـاسِقِينَ﴾ هي المساكن التي كانوا يمرون عليها إذا سافروا، من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله تعالى.
والقول الثاني : أن المراد الوعد والبشارة بأنه تعالى سيورثهم أرض أعدائهم وديارهم. والله أعلم.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٦٥
٣٦٦
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله :﴿سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَـاسِقِينَ﴾ (الأعراف : ١٤٥) ذكر في هذه الآية ما يعاملهم به فقال :﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـاتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الارْضِ﴾ واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصد عنه وذلك ظاهر، وقالت المعتزلة : لا يمكن حمل الآية على ما ذكرتموه ويدل عليه وجوه :
الوجه الأول : قال الجبائي لا يجوز أن يكون المراد منه أنه تعالى يصرفهم عن الإيمان بآياته لأن قوله :﴿سَأَصْرِفُ﴾ يتناول المستقبل وقد بين تعالى أنهم كفروا فكذبوا من قبل هذا الصرف، لأنه تعالى وصفهم بكونهم متكبرين في الأرض بغير الحق وبأنهم إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً، فثبت أن الآية دالة على أن الكفر قد حصل لهم في الزمان الماضي، فهذا يدل على أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر بالله.
الوجه الثاني : أن قوله :﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـاتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الارْضِ﴾ مذكور على وجه العقوبة على التكبر والكفر، فلو كان المراد من هذا الصرف هو كفرهم، لكان معناه أنه تعالى / خلق فيهم الكفر عقوبة لهم على إقدامهم على الكفر، ومعلوم أن العقوبة على الكفر بمثل ذلك الفعل المعاقب عليه لا يجوز، فثبت أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر.
الوجه الثالث : أنه لو صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه فكيف يمكن أن يقول مع ذلك ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (الانشقاق : ٢٠)، ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ (المدثر : ٤٩}، ، ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا ﴾ (الإسراء : ٩٤، الكهف : ٥٥) فثبت أن حمل الآية على هذا الوجه غير ممكن فوجب حملها على وجوه أخرى.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٦٦
فالوجه الأول : قال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني : إن هذا الكلام تمام لما وعد الله موسى عليه السلام به من إهلاك أعدائه، ومعنى صرفهم إهلاكهم فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها ولا على منع المؤمنين من الإيمان به، وهو شبيه بقوله :﴿بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَا وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَه ا وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ (المائدة : ٦٧) فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى عليه السلام من إيذائه ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة والرسالة.
والوجه الثاني : في التأويل ما ذكره الجبائي فقال : سأصرف هؤلاء المتكبرين على نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدين للأنبياء والمؤمنين، وإنما يصرفهم عن ذلك بواسطة إنزال الذل والإذلال بهم، وذلك يجري مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله.
والوجه الثالث : أن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان. فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بتلك الآيات، فحينئذ يصرفهم الله عنها.
والوجه الرابع : أن الله تعالى إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها، فإذا علم الله ذلك منه، صح من الله تعالى أن يصرفه عنه.
والوجه الخامس : نقل عن الحسن أنه قال : إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه، فالمراد من قوله :﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـاتِىَ﴾ هؤلاء. فهذا جملة ما قيل في هذا الباب، وظهر أن هذه الآية ليس فيها دلالة قوية على صحة ما يقول به في مسألة خلق الأعمال. والله أعلم.