والفائدة الثانية : أن الإنسان قد يقول لغيره هل هذا الأمر كذا وكذا ؟
ليعرف بذلك أنه محيط بتلك الواقعة، وغير ذاهل عن دقائقها، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلّم رجلاً أمياً لم يتعلم علماً، ولم يطالع كتاباً، ثم أنه يذكر هذه القصص على وجهها من غير تفاوت ولا زيادة ولا نقصان، كان ذلك جارياً مجرى المعجز.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٩١
المسألة الثانية : الأكثرون على أن تلك القرية أيلة. وقيل : مدين. وقيل طبرية، والعرب تسمى المدينة قرية، وعن أبي عمرو بن العلاء ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج يعني رجلين من أهل المدن، وقوله :﴿الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ يعني قريبة من البحر وبقربه وعلى شاطئه والحضور نقيض الغيبة كقوله تعالى :﴿ذَالِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُه حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ (البقرة : ١٩٦) وقوله :﴿إِذْ يَعْدُونَ فِى السَّبْتِ﴾ يعني يجاوزون حد الله فيه، وهو اصطيادهم يوم السبت وقد نهوا عنه، وقرىء ﴿يَعْدُونَ﴾ بمعنى يعتدون أدغمت التاء في الدال ونقلت حركتها إلى العين و﴿يَعْدُونَ﴾ من الأعداد وكانوا يعدون آلات الصيد يوم السبت وهم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة و﴿السَّبْتِ﴾ مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها فقوله :﴿إِذْ يَعْدُونَ فِى السَّبْتِ﴾ معناه يعدون في تعظيم هذا اليوم، وكذلك قوله :﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ معناه : يوم تعظيمهم أمر السبت، ويدل عليه قوله :﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ ﴾ ويؤكده أيضاً قراءة عمر بن عبد العزيز ﴿يَوْمٍ﴾ وقرىء ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ ﴾ بضم الباء، وقرأ على رضى الله عنه ﴿لا يَسْبِتُونَ ﴾ بضم الياء من أسبتوا، وعن الحسن ﴿لا يَسْبِتُونَ ﴾ على البناء للمفعول، وقوله :﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ نصب بقوله :﴿يَعْدُونَ﴾ والمعنى : سلهم إذ عدوا في وقت الإتيان، وقوله :﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ أي ظاهرة على الماء وشرع جمع شارع وشارعة وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة أي دنت من الطريق، ونجوم شارعة أي دنت من المغيب. وعلى هذا فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها، قال ابن عباس ومجاهد : إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به، يوم الجمعة، فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله به وحرم عليهم الصيد فيه وأمروا بتعظيمه، فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر. فإذا انقضى السبت ذهبت وما تعود إلا في السبت المقبل. وذلك بلاء ابتلاهم الله به، فذلك معنى قوله :﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَا لا تَأْتِيهِمْ ﴾ وقوله :﴿كَذَالِكَ نَبْلُوهُم﴾ أي مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم، وذلك يدل على أن من أطاع الله تعالى خفف الله عنه أحوال الدنيا والآخرة ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلاء والمحن/ واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى لا يجب عليه رعاية الصلاح والأصلح لا في الدين ولا في الدنيا وذلك لأنه تعالى علم أن تكثير الحيتان يوم السبت ربما يحملهم على المعصية والكفر، فلو وجب عليه رعاية الصلاح والأصلح، لوجب أن لا يكثر هذه الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن ذل الكفر والمعصية. فلما فعل ذلك ولم يبال بكفرهم ومعصيتهم علمنا أن رعاية الصلاح والأصلح غير واجبة على الله تعالى.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٩١
٣٩٣
اعلم أن قوله :﴿وَإِذْ قَالَتِ﴾ معطوف على قوله :﴿إِذْ يَعْدُونَ﴾ وحكمه حكمه في الأعراب وقوله :﴿أُمَّةٌ مِّنْهُمْ﴾ أي جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين ركبوا الصعب والذلول في موعظة أولئك الصيادين حتى أيسوا من قبولهم لأقوام آخرين ما كانوا يقلعون عن وعظهم. وقوله :﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أي مخترمهم ومطهر الأرض منهم ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾ لتماديهم في الشر، وإنما قالوا ذلك لعلمهم أن الوعظ لا ينفعهم وقوله :﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ فيه بحثان :
البحث الأول : قرأ حفص عن عاصم ﴿مَعْذِرَةً﴾ بالنصب والباقون بالرفع، أما من نصب ﴿مَعْذِرَةً﴾ فقال الزجاج معناه : نعتذر معذرة، وأما من رفع فالتقدير : هذه معذرة أو قولنا معذرة وهي خبر لهذا المحذوف.
البحث الثاني : المعذرة مصدر كالعذر، وقال أبو زيد : عذرته أعذره عذراً ومعذرة، ومعنى عذره في اللغة أي قام بعذره، وقيل : عذره، يقال : من يعذرني أي يقوم بعذري، وعذرت فلاناً فيما صنع أي قمت بعذره، فعلى هذا معنى قوله :﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي قيام منا بعذر أنفسنا إلى الله تعالى، فإنا إذا طولنا بإقامة النهي عن المنكر.


الصفحة التالية
Icon