المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر وأبو عمر وبالألف على الجمع والباقون ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم﴾ على الواحد. قال الواحدي : الذرية تقع على الواحد والجمع. فمن أفرد فإنه قد استغنى عن جمعه وبوقوعه على الجمع فصار كالبشر فإنه يقع على الواحد كقوله :﴿مَا هَـاذَا بَشَرًا﴾ وعلى الجمع كقوله :﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ (التغابن : ٦) وقوله :﴿إِنْ أَنتُمْ إِلا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ وكما لم يجمع بشر بتصحيح ولا تكسير كذلك لا يجمع الذرية ومن جمع قال : إن الذرية وإن كان واحداً فلا إشكال في جواز الجمع فيه، وإن كان جميعاً فجمعه أيضاً حسن، لأنك قد رأيت الجموع المكسرة قد جمعت. نحو الطرقات والجدرات، وهو اختيار يونس أما قوله تعالى :﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى ا أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُم قَالُوا بَلَى ﴾ فنقول : أما على قول من أثبت الميثاق الأول فكل هذه الأشياء محمولة على ظواهرها، وأما على قول من أنكره قال : إنها محمولة على التمثيل، والمعنى : أنه تعالى نصب لهم الأدلة على ربوبيته، وشهدت بها عقولهم، فصار ذلك جارياً مجرى ما إذا أشهدهم على أنفسنا وإقرارنا بوحدانيته، أما قوله :﴿شَهِدْنَآ﴾ ففيه قولان :
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٠٣
القول الأول : أنه من كلام الملائكة، وذلك لأنهم لما قالوا ﴿بَلَى ﴾ قال الله للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا، وعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله :﴿قَالُوا بَلَى ﴾ لأن كلام الذرية قد انقطع ههنا وقوله :﴿أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَـامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـاذَا غَـافِلِينَ﴾ تقريره : أن الملائكة قالوا شهدنا عليهم بالإقرار، لئلا يقولوا ما أقررنا، فأسقط كلمة "لا" كما قال :﴿وَأَلْقَى فِى الارْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (النحل : ١٥) يريد لئلا تميد بكم، هذا قول الكوفيين، وعند البصريين تقريره : شهدنا كراهة أن يقولوا.
والقول الثاني : أن قوله :﴿شَهِدْنَآ﴾ من بقية كلام الذرية، وعلى هذا التقرير، فقوله :﴿أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَـامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـاذَا غَـافِلِينَ﴾ متعلق بقوله :﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى ا أَنفُسِهِمْ﴾ والتقدير : وأشهدهم على أنفسهم، بكذا وكذا، لئلا يقولوا يوم القيامة ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـاذَا غَـافِلِينَ﴾ أو كراهية أن يقولوا ذلك وعلى هذا التقدير، فلا يجوز الوقف عند قوله :﴿شَهِدْنَآ﴾ لأن قوله :﴿أَن يَقُولُوا ﴾ متعلق بما قبله وهو قوله :﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾ فلم يجز قطعه منه. واختلف القراء في قوله :﴿أَن يَقُولُوا ﴾ أو تقولوا : فقرأ أبو عمرو بالياء جميعاً، لأن الذي تقدم من الكلام على الغيبة وهو قوله :﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنا بَنِى ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى ا أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُم قَالُوا بَلَى ا شَهِدْنَآ ﴾ وكلا الوجهين حسن، لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى.
أما قوله :﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ قال المفسرون : المعنى أن المقصود من هذا الإشهاد أن لا يقول الكفار إنما أشركنا/ لأن آباءنا أشركوا، فقلدناهم في ذلك الشرك، وهو المراد من قوله :﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ والحاصل : أنه تعالى لما أخذ عليهم الميثاق امتنع عليهم التمسك بهذا القدر. وأما الذين حملوا الآية على أن المراد منه مجرد نصب الدلائل. قالوا : معنى الآية إنا نصبنا هذه الدلائل، وأظهرناها للعقول كراهة أن يقولوا يوم القيامة ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـاذَا غَـافِلِينَ﴾ فما نبهنا عليه منبه أو كراهة أن يقولوا إنما أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا، لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم معهم، فلا عذر لهم في الإعراض عنه، والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٠٣
ثم قال :﴿وَكَذَالِكَ نُفَصِّلُ الايَـاتِ﴾ والمعنى : أن مثل ما فصلنا وبينا في هذه الآية، بينا سائر الآيات ليتدبروها فيرجعوا إلى الحق ويعرضوا عن الباطل، وهو المراد من قوله :﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وقيل : أي ما أخذ عليهم من الميثاق في التوحيد، وفي الآية قول ثالث ؛ وهو أن الأرواح البشرية موجودة قبل الأبدان، والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها وحقائقها، وهذا العلم ليس يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب، وهذا البحث إنما ينكشف تمام الانكشاف بأبحاث عقلية غامضة، لا يمكن ذكرها في هذا الكتاب. والله أعلم.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٠٣