ثم قال :﴿وَكَذَالِكَ نُفَصِّلُ الايَـاتِ﴾ والمعنى : أن مثل ما فصلنا وبينا في هذه الآية، بينا سائر الآيات ليتدبروها فيرجعوا إلى الحق ويعرضوا عن الباطل، وهو المراد من قوله :﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وقيل : أي ما أخذ عليهم من الميثاق في التوحيد، وفي الآية قول ثالث ؛ وهو أن الأرواح البشرية موجودة قبل الأبدان، والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها وحقائقها، وهذا العلم ليس يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب، وهذا البحث إنما ينكشف تمام الانكشاف بأبحاث عقلية غامضة، لا يمكن ذكرها في هذا الكتاب. والله أعلم.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٠٣
٤٠٦
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد رحمهم الله : نزلت هذه الآية في بلعم / بن باعوراء، وذلك لأن موسى عليه السلام قصد بلده الذي هو فيه، وغزا أهله وكانوا كفاراً، فطلبوا منه أن يدعو على موسى عليه السلام وقومه، وكان مجاب الدعوة، وعنده اسم الله الأعظم فامتنع منه، فما زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليه فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه، فقال موسى : يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه. فقال : بدعاء بلعم. فقال : كما سمعت دعاءه علي، فاسمع دعائي عليه، ثم دعا موسى عليه أن ينزع منه اسم الله الأعظم والإيمان، فسلخه الله مما كان عليه ونزع منه المعرفة. فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فهذه قصته. ويقال أيضاً : إنه كان نبياً من أنبياء الله، فلما دعا عليه موسى انتزع الله منه الإيمان وصار كافراً. وقال عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم، وأبو روق : نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت، وكان قد قرأ الكتب، وعلم أن الله مرسل رسولاً في ذلك الوقت، ورجا أن يكون هو، فلما أرسل الله محمداً عليه الصلاة والسلام حسده، ثم مات كافراً، ولم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلّم، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلّم :"آمن شعره وكفر قلبه" يريد أن شعره كشعر المؤمنين، وذلك أنه يوحد الله في شعره، ويذكر دلائل توحيده من خلق السموات والأرض، وأحوال الآخرة، والجنة والنار. وقيل : نزلت في أبي عامر الراهب الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلّم الفاسق كان يترهب في الجاهلية، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام وأمر المنافقين باتخاذ مسجد ضرار، وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وسلّم، فمات هناك طريداً وحيداً، وهو قول سعيد بن المسيب. وقيل : نزلت في منافقي أهل الكتاب، كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلّم، عن الحسن والأصم وقيل : هو عام فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه، وهو قول قتادة، وعكرمة، وأبي مسلم.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٠٦
فإن قال قائل : فهل يصح أن يقال : إن المذكور في هذه الآية كان نبياً، ثم صار كافراً ؟
قلنا : هذا بعيد، لأنه تعالى قال :﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه ﴾ (الأنعام : ١٢٤) وذلك يدل على أنه تعالى لا يشرف عبداً من عبيده بالرسالة، إلا إذا علم امتيازه عن سائر العبيد بمزيد الشرف، والدرجات العالية، والمناقب العظيمة، فمن كان هذا حاله، فكيف يليق به الكفر ؟
أما قوله تعالى :﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى ﴾ ففيه قولان :
القول الأول :(آتيناه آياتنا) يعني : علمناه حجج التوحيد، وفهمناه أدلته، حتى صار عالماً بها ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي خرج من محبة الله إلى معصيته، ومن رحمة الله إلى سخطه، ومعنى انسلخ : خرج منها. يقال لكل من فارق شيئاً بالكلية انسلخ منه.
والقول الثاني : ما ذكره أبو مسلم رحمه الله، فقال قوله :﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي بيناها فلم يقبل / وعرى منها، وسواء قولك : انسلخ، وعرى، وتباعد، وهذا يقع على كل كافر لم يؤمن بالأدلة/ وأقام على الكفر، ونظيره قوله تعالى :﴿ يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا﴾ (النساء : ٤٧) وقال في حق فرعون :﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَـاهُ ءَايَـاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى ﴾ (طه : ٥٦) وجائز أن يكون هذا الموصوف فرعون، فإنه تعالى أرسل إليه موسى وهارون، فأعرض وأبى، وكان عادياً ضالاً متبعاً للشيطان.
واعلم أن حاصل الفرق بين القولين : هو أن هذا الرجل في القول الأول، كان عالماً بدين الله وتوحيده، ثم خرج منه، وعلى القول الثاني لما آتاه الله الدلائل والبينات امتنع من قبولها، والقول الأول أولى، لأن قوله انسلخ منها يدل على أنه كان فيها ثم خرج منها، وأيضاً فقد ثبت بالأخبار أن هذه الآية إنما نزلت في إنسان كان عالماً بدين الله تعالى، ثم خرج منه إلى الكفر والضلال.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٠٦


الصفحة التالية
Icon