أما قوله :﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَـانُ﴾ ففيه وجوه : الأول : أتبعه الشيطان كفار الإنس وغواتهم، أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعاً له. والثاني : قال عبد الله بن مسلم ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَـانُ﴾ أي أدركه. يقال : أتبعت القوم. أي لحقتهم. قال أبو عبيدة : ويقال : أتبعت القوم، مثال : أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم. ويقال : ما زلت أتبعهم حتى أتبعتهم. أي حتى أدركتهم. وقوله ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ أي أطاع الشيطان فكان من الظالمين. قال أهل المعاني : المقصود منه بيان أن من أوتي الهدى، فانسلخ منه إلى الضلال والهوى والعمى، ومال إلى الدنيا، حتى تلاعب به الشيطان كان منتهاه إلى البوار والردى، وخاب في الآخرة والأولى، فذكر الله قصته ليحذر الناس عن مثل حالته. وقوله :﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـاهُ بِهَا﴾ قال أصحابنا معناه : ولو شئنا رفعناه للعمل بها، فكان يرفع بواسطة تلك الأعمال الصالحة منزلته، ولفظة ﴿لَوْ﴾ تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فهذا يدل على أنه تعالى قد لا يريد الإيمان، وقد يريد الكفر. وقال المعتزلة : لفظ الآية يحتمل وجوهاً أخرى سوى هذا الوجه. فالأول : قال الجبائي معناه : ولو شئنا لرفعناه بأعماله، بأن نكرمه، ونزيل التكليف عنه، قبل ذلك الكفر حتى نسلم له الرفعة، لكنا رفعناه بزيادة التكليف بمنزلة زائدة، فأبى أن يستمر على الإيمان. الثاني : لو شئنا لرفعناه، بأن نحول بينه وبين الكفر، قهراً وجبراً، إلا أن ذلك ينافي التكليف. فلا جرم تركناه مع اختياره.
والجواب عن الأول : أن حمل الرفعة على الأماتة بعيد، وعن الثاني : أنه تعالى إذا منعه منه قهراً، لم يكن ذلك موجباً للثواب والرفعة.
ثم قال تعالى :﴿وَلَـاكِنَّه ا أَخْلَدَ إِلَى الارْضِ﴾ قال أصحاب العربية : أصل الإخلاد اللزوم على / الدوام، وكأنه قيل : لزم الميل إلى الأرض، ومنه يقال : أخلد فلان بالمكان، إذا لزم الإقامة به. قال مالك بن سويد :
بأبناء حي من قبائل مالك
وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا
قال ابن عباس :﴿وَلَـاكِنَّه ا أَخْلَدَ إِلَى الارْضِ﴾ يريد مال إلى الدنيا، وقال مقاتل : بالدنيا، وقال الزجاج : سكن إلى الدنيا. قال الواحدي : فهؤلاء فسروا الأرض في هذه الآية بالدنيا، وذلك لأن الدنيا هي الأرض، لأن ما فيها من العقار والضياع وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان مستخرج من الأرض، وإنما يقوى ويكمل بها، فالدنيا كلها هي الأرض، فصح أن يعبر عن الدنيا بالأرض، ونقول : لو جاء الكلام على ظاهره لقيل لو شئنا لرفعناه، ولكنا لم نشأ، إلا أن قوله :﴿وَلَـاكِنَّه ا أَخْلَدَ إِلَى الارْضِ﴾ لما دل على هذا المعنى لا جرم أقيم مقامه قوله :﴿وَاتَّبَعَ هَوَا هُ﴾ معناه : أنه أعرض عن التمسك بما آتاه الله من الآيات واتبع الهوى، فلا جرم وقع في هاوية الردى، وهذه الآية من أشد الآيات على أصحاب العلم، وذلك لأنه تعالى بعد أن خص هذا الرجل بآياته وبيناته، وعلمه الاسم الأعظم، وخصه بالدعوات المستجابة، لما اتبع الهوى انسلخ من الدين وصار في درجة الكلب، وذلك يدل على أن كل من كانت نعم الله في حقه أكثر، فإذا أعرض عن متابعة الهدى وأقبل على متابعة الهوى، كان بعده عن الله أعظم، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام :"من ازداد علماً، ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعداً" أو لفظ هذا معناه.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٠٦
ثم قال تعالى :﴿فَمَثَلُه كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ﴾ قال الليث : اللهث هو أن الكلب إذا ناله الإعياء عند شدة العدو وعند شدة الحر، فإنه يدلع لسانه من العطش.