٤٢٥
اعلم أن في نظم الآية وجهين : الأول : أنه تعالى لما تكلم في التوحيد والنبوة والقضاء والقدر / أتبعه بالكلام في المعاد، لما بينا أن المطالب الكلية في القرآن ليست إلا هذه الأربعة. الثاني : أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة ﴿وَأَنْ عَسَى ا أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ﴾ (الأعراف : ١٨٥) باعثاً بذلك عن المثابرة إلى التوبة والإصلاح قال بعده :﴿يَسْـاَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ ليتحقق في القلوب أن وقت الساعة مكتوم عن الخلق، فيصير ذلك حاملاً للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الواجبات، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن ذلك السائل من هو ؟
قال ابن عباس : إن قوماً من اليهود قالوا يا محمد أخبرنا متى تقوم الساعة فنزلت هذه الآية، وقال الحسن وقتادة : إن قريشاً قالوا : يا محمد بيننا وبينك قرابة، فاذكر لنا متى الساعة ؟
المسألة الثانية : قال صاحب "الكشاف" : الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة، أو لأن حساب الخلق يقضي فيها في ساعة واحدة فسمي بالساعة لهذا السبب أو لأنها على طولها كساعة واحدة عند الخلق.
المسألة الثالثة : أيان معناه الاستفهام عن الوقت الذي يجيء، وهو سؤال عن الزمان وحاصل الكلام أن أيان بمعنى متى، وفي اشتقاقه قولان : المشهور أنه مأخوذ من الأين وأنكره ابن جني وقال :﴿أَيَّانَ﴾ سؤال عن الزمان، وأين سؤال عن المكان، فكيف يكون أحدهما مأخوذاً من الآخر. والثاني : وهو الذي اختاره ابن جني أن اشتقاقه من أي فعلان منه، لأن معناه أي وقت ولفظة أي، فعل من أويت إليه، لأن البعض آو إلى مكان الكل متسانداً إليه هكذا. قال ابن جني : وقرأ السلمي إيان بكسر الهمز.
المسألة الرابعة : مرساها "المرسي" ههنا مصدر بمعنى الإرساء لقوله تعالى :﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْاراـاهَا وَمُرْسَـاـاهَآ ﴾ (هود : ٤١) أي إجراؤها وإرساؤها، والإرساء الإثبات يقال رسى يرسوا ؛ إذا ثبت. قال تعالى :﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَـاـاهَا﴾ (النازعات : ٣٢) فكان الرسو ليس اسماً لمطلق الثبات، بل هو اسم لثبات الشيء إذا كان ثقيلاً ومنه إرساء الجبل، وإرساء السفينة، ولما كان أثقل الأشياء على الخلق هو الساعة، بدليل قوله :﴿ثَقُلَتْ فِى السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ ﴾ (الأعراف : ١٨٧) لا جرم سمى الله تعالى وقوعها وثبوتها بالإرساء.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٢٥
ثم قال تعالى :﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ﴾ أي لا يعلم الوقت الذي فيه يحصل قيام القيامة إلا الله سبحانه ونظيره قوله سبحانه :﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَه عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (لقمان : ٣٤) وقوله :﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَآ﴾ (الحج : ٧) وقوله :﴿إِنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ (طه : ١٥) ولما سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقال : متى الساعة فقال عليه السلام :"ليس المسؤول عنها بأعلم من السائل" قال المحققون : والسبب في إخفاء الساعة عن العباد ؟
أنهم إذا لم يعلموا متى تكون، كانوا على حذر منها، فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة، / وأزجر عن المعصية، ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى فقال :﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ﴾ التجلية إظهار الشيء والتجلي ظهوره/ والمعنى : لا يظهرها في وقتها المعين ﴿إِلا هُوَ﴾ أي لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإعلام والإخبار إلا هو.
ثم قال تعالى :﴿ثَقُلَتْ فِى السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ ﴾ والمراد وصف الساعة بالثقل ونظيره قوله تعالى :﴿وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا﴾ (الإنسان : ٢٧) وأيضاً وصف الله تعالى زلزلة الساعة بالعظم فقال :﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج : ١) ووصف عذابها بالشدة فقال :﴿وَمَا هُم بِسُكَـارَى وَلَـاكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (الحج : ٢).
إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين في تفسير قوله :﴿ثَقُلَتْ فِى السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ ﴾ وجوه : قال الحسن : ثقل مجيئها على السموات والأرض، لأجل أن عند مجيئها شققت السموات وتكورت الشمس والقمر وانتثرت النجوم وثقلت على الأرض لأجل أن في ذلك اليوم تبدل الأرض غير الأرض، وتبطل الجبال والبحار، وقال أبو بكر الأصم : إن هذا اليوم ثقيل جداً على أهل السماء والأرض، لأن فيه فناءهم وهلاكهم وذلك ثقيل على القلوب. وقال قوم : إن هذا اليوم عظيم الثقل على القلوب بسبب أن الخلق يعلمون أنهم يصيرون بعدها إلى البعث والحساب والسؤال والخوف من الله في مثل هذا اليوم شديد. وقال السدي :﴿ثَقُلَتْ﴾ أي خفيت في السموات والأرض ولم يعلم أحد من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين متى يكون حدوثها ووقوعها. وقال قوم :﴿ثَقُلَتْ فِى السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ ﴾ أي ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين على أهل السموات والأرض، وكما يقال في المحمول الذي يتعذر حمله أنه قد ثقل على حامله، فكذلك يقال في العلم الذي استأثر الله تعالى به أنه يثقل عليهم.


الصفحة التالية
Icon