البحث الأول : قوله :﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ المشهور أنها نفس آدم وقوله :/ ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ المراد حواء. قالوا ومعنى كونها مخلوقة من نفس آدم، أنه تعالى خلقها من ضلع من أضلاع آدم. قالوا : والحكمة فيه أن الجنس إلى الجنس أميل، والجنسية علة الضم، وأقول هذا الكلام مشكل لأنه تعالى لما كان قادراً على أن يخلق آدم ابتداء فما الذي حملنا على أن نقول أنه تعالى خلق حواء من جزء أجزاء آدم ؟
ولم لا نقول : إنه تعالى خلق حواء أيضاً ابتداء ؟
وأيضاً الذي يقدر على خلق إنسان من عظم واحد فلم لا يقدر على خلقه ابتداء، وأيضاً الذي يقال : إن عدد أضلاع الجانب الأيسر أنقص من عدد أضلاع الجانب الأيمن فيه مؤاخذة تنبي عن خلاف الحس والتشريح. بقي أن يقال : إذا لم نقل بذلك، فما المراد من كلمة ﴿مِنْ﴾ في قوله :﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ فنقول : قد ذكرنا أن الإشارة إلى الشيء تارة تكون بحسب شخصه، وأخرى بحسب نوعه قال عليه الصلاة والسلام :"هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" وليس المراد ذلك الفرد المعين بل المراد ذلك النوع. وقال عليه الصلاة والسلام :"في يوم عاشوراء هذا هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون" والمراد خلق من النوع الإنساني زوجة آدم، والمقصود التنبيه على أنه تعالى جعل زوج آدم إنساناً مثله قوله :﴿فَلَمَّا تَغَشَّـاـاهَا﴾ أي جامعها، والغشيان إتيان الرجل المرأة وقد غشاها وتغشاها إذا علاها، وذلك لأنه إذا علاها فقد صار كالغاشية لها، ومثله يجللها، وهو يشبه التغطي واللبس. قال تعالى :﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ﴾ وقوله :﴿حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا﴾ قالوا يريد النطفة والمني والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الشجر، والحمل بكسر الحاء ما حمل على ظهر أو على الدابة. وقوله :﴿فَمَرَّتْ بِه ﴾ أي استمرت بالماء والحمل على سبيل الخفة، والمراد أنها كانت تقوم وتقعد وتمشي من غير ثقل. قال صاحب "الكشاف" : وقرأ يحيى بن يعمر ﴿فَمَرَّتْ بِه ﴾ بالتخفيف وقرأ غيره ﴿تُحَرِّكْ بِه ﴾ من المرية. كقوله :
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٣٠
﴿أَفَتُمَـارُونَه ﴾ وفي قراءة أخرى ﴿أَفَتُمَـارُونَه ﴾ معناه وقع في نفسها ظن الحمل وارتابت فيه ﴿فَلَمَّآ أَثْقَلَت﴾ أي صارت إلى حال الثقل ودنت ولادتها ﴿دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ يعني آدم وحواء ﴿ لئن ءَاتَيْتَنَا صَـالِحًا﴾ أي ولداً سوياً مثلنا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّـاكِرِينَ﴾ لآلائك ونعمائك ﴿فَلَمَّآ ءَاتَـاـاهُمَا﴾ الله ﴿صَـالِحًا جَعَلا لَه شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَـاـاهُمَا ﴾ والكلام في تفسيره قد مر بالاستقصاء قرأ ابن كثير وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية حفص ﴿جَعَلا لَه شُرَكَآءَ﴾ بصيغة الجمع وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر ﴿عَنْهُ﴾ بكسر الشين وتنوين الكاف ومعناه جعلا له نظراء ذوي شرك وهم الشركاء، أو يقال معناه أحدثا لله إشراكاً في الولد ومن قرأ ﴿لِلَّهِ شُرَكَآءَ﴾ فحجته قوله :﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُوا ﴾ وأراد بالشركاء في هذه الآية إبليس لأن من أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين، هذا إذا حملنا هذه الآية على القصة المشهورة، أما إذا لم نقل به فلا حاجة إلى التأويل والله أعلم.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٣٠
٤٣٢
اعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه ليس المراد بقوله :﴿فَتَعَـالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ما ذكره من قصة إبليس إذ لو كان المراد ذلك لكانت هذه الآية أجنبية عنها بالكلية، وكان ذلك غاية الفساد في النظم والترتيب، بل المراد ما ذكرناه في سائر الأجوبة من أن المقصود من الآية السابقة الرد على عبدة الأوثان. وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : المقصود من هذه الآية إقامة الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقوله :﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْـاًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ معناه أيعبدون ما لا يقدر على أن يخلق شيئاً ؟
وهم يخلقون. أي وهم مخلوقون يعني الأصنام.
فإن قيل : كيف وحد ﴿يَخْلُقُ﴾ ثم جمع فقال :﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وأيضاًفكيف ذكر الواو والنون في جمع غير الناس ؟
والجواب عن الأول : أن لفظ ﴿مَآ﴾ تقع على الواحد والاثنين والجمع، فهذه من صيغ الوحدان يحسب ظاهر لفظها. ومحتملة للجمع فالله تعالى اعتبر الجهتين فوحد قوله :﴿يَخْلُقُ﴾ رعاية لحكم ظاهر اللفظ وجمع قوله :﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ رعابة لجانب المعنى.


الصفحة التالية
Icon