واعلم أن لفظ البشارة مشتق من خبر سار يظهر أثره في بشرة الوجه، فكل ما كان كذلك دخل في هذه الآية، ومجموع الأمور المذكورة مشتركة في هذه الصفة، فيكون الكل داخلاً فيه فكل ما يتعلق من هذه الوجوه بالدنيا فهو داخل تحت قوله :﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَواةِ الدُّنْيَا﴾ وكل ما يتعلق بالآخرة فهو داخل تحت قوله :﴿وَفِى الآخِرَةِ ﴾ ثم إنه تعالى لما ذكر صفة أولياء الله وشرح أحوالهم / قال تعالى :﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـاتِ اللَّه ﴾ والمراد أنه لا خلف فيها، والكلمة والقول سواء. ونظيره قوله :﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ﴾ (ق : ٢٩) وهذا أحد ما يقوي أن المراد بالبشرى وعد الله بالثواب والكرامة لمن أطاعه بقوله :﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ ثم بين تعالى أن :﴿ذَالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وهو كقوله تعالى :﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ (الإنسان : ٢٠) ثم قال القاضي : قوله :﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـاتِ اللَّه ﴾ يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما قبل العدم امتنع أن يكون قديماً. ونظير هذا الاستدلال بحصول النسخ على أن حكم الله تعالى لا يكون قديماً وقد سبق الكلام على أمثال هذه الوجوه.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٧٨
٢٨٠
اعلم أن القوم لما أوردوا أنواع الشبهات التي حكاها الله تعالى عنهم فيما تقدم من هذه السورة وأجاب الله عنها بالأجوبة التي فسرناها وقررناها، عدلوا إلى طريق آخر، وهو أنهم هددوه وخوفوه وزعموا أنا أصحاب التبع والمال، فنسعى في قهرك وفي إبطال أمرك، والله سبحانه أجاب عن هذا الطريق بقوله :﴿وَلا يَحْزُنكَ قَوْلُهُم إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾.
واعلم أن الإنسان إنما يحزن من وعيد الغير وتهديده ومكره وكيده، لو جوز كونه مؤثراً في حاله، فإذا علم من جهة علام الغيوب أن ذلك لا يؤثر، خرج من أن يكون سبباً لحزنه. ثم إنه تعالى كما أزال عن الرسول حزن الآخرة بسبب قوله :﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يونس : ٦٢) فكذلك أزال حزن الدنيا بقوله :﴿وَلا يَحْزُنكَ قَوْلُهُم إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ فإذا كان الله تعالى هو الذي أرسله إلى الخلق وهو الذي أمره بدعوتهم إلى هذا الدين كان لا محالة ناصراً له ومعيناً، ولما ثبت أن العزة والقهر والغلبة ليست إلا له، فقد حصل الأمن وزال الخوف.
فإن قيل : فكيف آمنه من ذلك ولم يزل خائفاً حتى احتاج إلى الهجرة والهرب، ثم من بعد ذلك يخاف حالاً بعد حال ؟
قلنا : إن الله تعالى وعده الظفر والنصرة مطلقاً والوقت ما كان معيناً، فهو في كل وقت كان يخاف من أن لا يكون هذا الوقت المعين ذلك الوقت، فحينئذ يحصل الانكسار والانهزام في هذا الوقت.
وأما قوله تعالى :﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ ففيه أبحاث :
البحث الأول : قال القاضي : إن العزة بالألف المكسورة وفي فتحها فساد يقارب الكفر لأنه يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون :﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحزنه ذلك. أما إذا كسرت الألف كان ذلك استئنافاً، وهذا يدل على فضيلة علم الإعراب. قال صاحب "الكشاف" : وقرأ أبو حيوة ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ﴾ بالفتح على حذف لام العلة يعني : لأن العزة على صريح التعليل.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٨٠
البحث الثاني : فائدة ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ﴾ في هذا المقام أمور : الأول : المراد منه أن جميع العزة والقدرة هي لله تعالى يعطي ما يشاء لعباده، والغرض منه أنه لا يعطي الكفار قدرة عليه، بل يعطيه القدرة عليهم حتى يكون هو بذلك أعز منهم، فآمنه الله تعالى بهذا القول من إضرار الكفار به بالقتل والإيذاء، ومثله قوله تعالى :﴿كَتَبَ اللَّهُ لاغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِى ﴾ (المجادلة : ٢١) ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ (غافر : ٥١) الثاني : قال الأصم : المراد أن المشركين يتعززون بكثرة خدمهم وأموالهم ويخوفونك بها وتلك الأشياء كلها لله تعالى فهو القادر على أن يسلب منهم كل تلك الأشياء وأن ينصرك وينقل أموالهم وديارهم إليك.
فإن قيل : قوله :﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ كالمضادة لقوله تعالى :﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِه وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون : ٨).
قلنا : لا مضادة، لأن عزة الرسول والمؤمنين كلها بالله فهي لله.
أما قوله :﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي يسمع ما يقولون ويعلم ما يعزمون عليه وهو يكافئهم بذلك.