وأما قوله :﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَن فِى الارْضِ ﴾ ففيه وجهان : الأول : أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ ﴾ وهذا يدل على أن كل ما لا يعقل فهو ملك لله تعالى وملك له، وأما ههنا فكلمة ﴿مِّنْ﴾ مختصة بمن يعقل، فتدل على أن كل العقلاء داخلون تحت ملك الله وملكه فيكون مجموع الآيتين دالاً على أن الكل ملكه وملكه. والثاني : أن المراد ﴿مَن فِى السَّمَـاوَاتِ﴾ العقلاء المميزون وهم الملائكة والثقلان. وإنما خصهم بالذكر ليدل على أن / هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكه فالجمادات أولى بهذه العبودية فيكون ذلك قدحاً في جعل الأصنام شركاء لله تعالى.
ثم قال تعالى :﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَآءَا إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ وفي كلمة ﴿مَّآ﴾ قولان : الأول : أنه نفي وجحد، والمعنى أنهم ما اتبعوا شريك الله تعالى إنما اتبعوا شيئاً ظنوه شريكاً لله تعالى. ومثاله أن أحدنا لو ظن أن زيداً في الدار وما كان فيها، فخاطب إنساناً في الدار ظنه زيداً فإنه لا يقال : إنه خاطب زيداً بل يقال خاطب من ظنه زيداً. الثاني : أن ﴿مَّآ﴾ استفهام، كأنه قيل : أي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، والمقصود تقبيح فعلهم يعني أنهم ليسوا على شيء.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٨٠
ثم قال تعالى :﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ والمعنى أنهم إنما اتبعوا ظنونهم الباطلة وأوهامهم الفاسدة، ثم بين أن هذا الظن لا حكم له ﴿وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾ وذكرنا معنى الخرص في سورة الأنعام عند قوله :﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام : ١٦).
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٨٠
٢٨٠
اعلم أنه تعالى لما ذكر قوله :﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ احتج عليه بهذه الآية، والمعنى أنه تعالى جعل الليل ليزول التعب والكلال بالسكون فيه، وجعل النهار مبصراً أي مضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم بالأبصار، والمبصر الذي يبصر، والنهار يبصر فيه، وإنما جعله مبصراً على طريق نقل الاسم من السبب إلى المسبب.
فإن قيل : إن قوله :﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ يدل على أنه تعالى ما خلقه إلا لهذا الوجه، وقوله :﴿إِنَّ فِى ذَالِكَ لايَـاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ يدل على أنه تعالى أراد بتخليق الليل والنهار أنواعاً كثيرة من الدلائل.
قلنا : إن قوله تعالى :﴿لِتَسْكُنُوا ﴾ لا يدل على أنه لا حكمة فيه إلا ذلك، بل ذلك يقتضي حصول تلك الحكمة.
أما قوله تعالى :﴿إِنَّ فِى ذَالِكَ لايَـاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ فالمراد يتدبرون ما يسمعون ويعتبرون به.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٨٠
٢٨٢
اعلم أن هذا نوع آخر من الأباطيل التي حكاها الله تعالى عن الكفار وهي قولهم :﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ﴾ ويحتمل أن يكون المراد حكاية قول من يقول : الملائكة بنات الله، ويحتمل أن يكون المراد قول من يقول : الأوثان أولاد الله، ويحتمل أن يكون قد كان فيهم قوم من النصارى قالوا ذلك ثم إنه تعالى لما استنكر هذا القول قال بعده :﴿هُوَ الْغَنِيُّا لَه مَا فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِى الارْضِ ﴾.
واعلم أن كونه تعالى غنياً مالكاً لكل ما في السموات والأرض يدل على أنه يستحيل أن يكون له ولد، وبيان ذلك من وجوه : الأول : أنه سبحانه غني مطلقاً على ما في هذه الآية، والعقل أيضاً يدل عليه، لأنه لو كان محتاجاً لافتقر إلى صانع آخر، وهو محال وكل من كان غنياً فإنه لا بد أن يكون فرداً منزهاً عن الأجزاء والأبعاض، وكل من كان كذلك امتنع أن ينفصل عنه جزء من أجزائه، والولد عبارة عن أن ينفصل جزء من أجزاء الإنسان، ثم يتولد عن ذلك الجزء مثله، وإذا كان هذا محالاً ثبت أن كونه تعالى غنياً يمنع ثبوت الولد له.
الحجة الثانية : أنه تعالى غني وكل من كان غنياً كان قديماً أزلياً باقياً سرمدياً، وكل من كان كذلك، امتنع عليه الانقراض والانقضاء، والولد إنما يحصل للشيء الذي ينقضي، وينقرض، فيكون ولده قائماً مقامه، فثبت أن كونه تعالى غنياً، يدل على أنه يمتنع أن يكون له ولد.
الحجة الثالثة : أنه تعالى غني وكل من كان غنياً فإنه يمتنع أن يكون موصوفاً بالشهوة واللذة وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكون له صاحبة وولد.
الحجة الرابعة : أنه تعالى غني، وكل من كان غنياً امتنع أن يكون له ولد، لأن اتخاذ الولد إنما يكون في حق من يكون محتاجاً حتى يعينه ولده على المصالح الحاصلة والمتوقعة، فمن كان غنياً مطلقاً امتنع عليه اتخاذ الولد.