والقول الثاني : وهو قول الأكثرين إن جواب الشرط هو قوله :﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ﴾ وقوله :﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ كلام اعترض به بين الشرط وجوابه كما تقول في الكلام إن كنت أنكرت علي شيئاً فالله حسبي فاعمل ما تريد واعلم أن جواب هذا الشرط مشتمل على قيود خمسة على الترتيب.
القيد الأول : قوله :﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ وفيه بحثان :
البحث الأول : قال الفراء : الإجماع الإعداد والعزيمة على الأمر وأنشد :
ف يا ليت شعري والمنى لا ينفع
هل اغدون يوماً وأمري مجمع
فإذا أردت جمع التفرق قلت : جمعت القوم فهم مجموعون، وقال أبو الهيثم : أجمع أمره، أي جعله جميعاً بعد ما كان متفرقاً، قال : وتفرقه، أي جعل يتدبره فيقول : مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه، أي جعله جميعاً فهذا هو الأصل في الإجماع، ومنه قوله تعالى :﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ (يوسف : ١٠٢) ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بعلى فقيل : أجمعت على الأمر، أي عزمت عليه، والأصل أجمعت الأمر.
البحث الثاني : روى الأصمعي عن نافع ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ بوصل الألف من الجمع وفيه وجهان : الأول : قال أبو علي الفارسي : فاجمعوا ذوي الأمر منكم فحذف المضاف، وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت. الثاني : قال ابن الأنباري : المراد من الأمر ههنا وجوه كيدهم ومكرهم، فالتقدير : ولا تدعوا من أمركم شيئاً إلا أحضرتموه.
والقيد الثاني : قوله :﴿وَشُرَكَآءَكُمْ﴾ وفيه أبحاث :
البحث الأول : الواو ههنا بمعنى مع، والمعنى : فأجمعوا أمركم مع شركائكم، ونظيره قولهم لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، ولو خليت نفسك والأسد لأكلك.
البحث الثاني : يحتمل أن يكون المراد من الشركاء الأوثان التي سموها بالآلهة، ويحتمل أن يكون المراد منها من كان على مثل قولهم ودينهم، فإن كان المراد هو الأول فإنما حث الكفار على الاستعانة بالأوثان بناء على مذهبهم من أنها تضر وتنفع، وإن كان المراد هو الثاني فوجه الاستعانة بها ظاهر.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٨٦
البحث الثالث : قرأ الحسن وجماعة من القراء ﴿وَشُرَكَآؤُكُمْ ﴾ بالرفع عطفاً على الضمير / المرفوع، والتقدير : فأجمعوا أنتم وشركاؤكم. قال الواحدي : وجاز ذلك من غير تأكيد الضمير كقوله :﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (البقرة : ٣٥) لأن قوله :﴿أَمْرَكُمْ﴾ فصل بين الضمير وبين المنسوق، فكان كالعوض من التوكيد وكان الفراء يستقبح هذه القراءة، لأنها توجب أن يكتب وشركاؤكم بالواو وهذا الحرف غير موجود في المصاحف.
القيد الثالث : قوله :﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ قال أبو الهيثم : أي مبهماً من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم إذا التبس قال طرفة :
ف لعمري ما أمري علي بغمة
نهاري ولا ليلي علي بسرمد
وقال الليث : إنه لفي غمة من أمره إذا لم يهتد له. قال الزجاج : أي ليكن أمركم ظاهراً منكشفاً.
القيد الرابع : قوله :﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَىَّ﴾ وفيه بحثان :
البحث الأول : قال ابن الأنباري معناه ثم امضوا إلي بمكروهكم وما توعدونني به، تقول العرب : قضى فلان، يريدون مات ومضى، وقال بعضهم : قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه وبه يسمى القاضي، لأنه إذا حكم فقد فرغ فقوله :﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَىَّ﴾ أي افرغوا من أمركم وامضوا ما في أنفسكم واقطعوا ما بيني وبينكم، ومنه قوله تعالى :﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِى إسرائيل فِى الْكِتَـابِ﴾ (الإسراء : ٤) أي أعلمناهم إعلاماً قاطعاً، قال تعالى :﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَالِكَ الامْرَ﴾ (الحجر : ٦٦) قال القفال رحمه الله تعالى ومجاز دخول كلمة ﴿إِلَى﴾ في هذا الموضع من قولهم برئت إليك وخرجت إليك من العهد، وفيه معنى الإخبار فكأنه تعالى قال : ثم اقضوا ما يستقر رأيكم عليه محكماً مفروغاً منه.
البحث الثاني : قرىء ثم أفضوا إلي بالفاء بمعنى ثم انتهوا إلى بشركم، وقيل : هو من أفضى الرجل إذا خرج إلى الفضاء، أي أصحروا به إلي وأبرزوه إلي.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٨٦