القيد الخامس : قوله :﴿وَلا تُنظِرُونِ﴾ معناه لا تمهلون بعد إعلامكم إياي ما اتفقتم عليه فهذا هو تفسير هذه الألفاظ، وقد نظم القاضي هذا الكلام على أحسن الوجوه فقال إنه عليه السلام قال :"في أول الأمر فعلى الله توكلت فإني واثق بوعد الله جازم بأنه لا يخلف الميعاد ولا تظنوا أن تهديدكم إياي بالقتل والإيذاء يمنعني من الدعاء إلى الله تعالى" ثم إنه عليه السلام أورد ما يدل على صحة دعوته فقال :"فأجمعوا أمركم" فكأنه يقول لهم أجمعوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب التي توجب حصول مطلوبكم ثم لم يقتصر على ذلك بل أمرهم أن يضموا إلى أنفسهم شركائهم الذين كانوا يزعمون أن حالهم يقوى بمكانتهم وبالتقرب إليهم، ثم لم يقتصر على هذين بل ضم إليهما ثالثاً وهو قوله :﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ وأراد أن يبلغوا فيه كل غاية في المكاشفة والمجاهرة، ثم لم يقتصر على ذلك حتى / ضم إليها : رابعاً فقال :﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَىَّ﴾ والمراد أن وجهوا كل تلك الشرور إلي، ثم ضم إلى ذلك خامساً. وهو قوله :﴿وَلا تُنظِرُونِ﴾ أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من عير أنظار فهذا آخر هذا الكلام ومعلوم أن مثل هذا الكلام يدل على أنه عليه السلام كان قد بلغ الغاية في التوكل على الله تعالى وأنه كان قاطعاً بأن كيدهم لا يصل إليه ومكرهم لا ينفذ فيه.
وأما قوله تعالى :﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ﴾ فقال المفسرون : هذا إشارة إلى أنه ما أخذ منهم مالاً على دعوتهم إلى دين الله تعالى ومتى كان الإنسان فارغاً من الطمع كان قوله أقوى تأثيراً في القلب. وعندي فيه وجه آخر وهو أن يقال : إنه عليه السلام بين أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه وذلك لأن الخوف إنما يحصل بأحد شيئين إما بإيصال الشر أو بقطع المنافع، فبين فيما تقدم أنه لا يخاف شرهم وبين بهذه الآية أنه لا يخاف منهم بسبب أن يقطعوا عنه خيراً، لأنه ما أخذ منهم شيئاً فكان يخاف أن يقطعوا منه خيراً.
ثم قال :﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلا عَلَى اللَّه وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وفيه قولان : الأول : أنكم سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوا، فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام. والثاني : أني مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إلي لأجل هذه الدعوة. وهذا الوجه أليق بهذا الموضع، لأنه لما قال :﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَىَّ﴾ بين لهم أنه مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إليه في هذا الباب، والله أعلم.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٨٦
٢٨٦
اعلم أنه تعالى لما حكى الكلمات التي جرت بين نوح وبين أولئك الكفار، ذكر ما إليه رجعت عاقبة تلك الواقعة، أما في حق نوح وأصحابه فأمران : أحدهما : أنه تعالى نجاهم من الكفار. الثاني : أنه جعلهم خلائف بمعنى أنهم يخلفون من هلك بالغرق، وأما في حق الكفار فهو أنه تعالى أغرقهم وأهلكهم. وهذه القصة إذا سمعها من صدق الرسول ومن كذب به كانت زجراً للمكلفين من حيث يخافون أن ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح وتكون داعية للمؤمنين على الثبات على الإيمان، ليصلوا إلى مثل ما وصل إليه قوم نوح، وهذه الطريقة في الترغيب والتحذير إذا جرت على / سبيل الحكاية عمن تقدم كانت أبلغ من الوعيد المبتدأ وعلى هذا الوجه ذكر تعالى أقاصيص الأنبياء عليهم السلام.
وأما تفاصيل هذه القصة فهي مذكورة في سائر السور.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٨٦
٢٨٦
اعلم أن المراد : ثم بعثنا من بعد نوح رسلاً ولم يسمهم، وكان منهم هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب صلوات الله عليهم أجمعين بالبينات، وهي المعجزات القاهرة، فأخبر تعالى عنهم أنهم جروا على منهاج قوم نوح في التكذيب، ولم يزجرهم ما بلغهم من إهلاك الله تعالى المكذبين من قوم نوح عن ذلك، فلهذا قال :﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِه مِن قَبْلُ ﴾ وليس المراد عين ما كذبوا به، لأن ذلك لم يحصل في زمانه بل المراد بمثل ما كذبوا به من البينات، لأن البينات الظاهرة على الأنبياء عليهم السلام أجمع كأنها واحدة.
ثم قال تعالى :﴿كَذَالِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ واحتج أصحابنا على أن الله تعالى قد يمنع المكلف عن الإيمان بهذه الآية وتقريره ظاهر. قال القاضي : الطبع غير مانع من الإيمان بدليل قوله تعالى :﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ (النساء : ١٥٥) ولو كان هذا الطبع مانعاً لما صح هذا الاستثناء ؟
والجواب : أن الكلام في هذه المسألة قد سبق على الاستقصاء في تفسير قوله تعالى :﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ﴾ (البقرة : ٧) فلا فائدة في الإعادة.
القصة الثانية
قصة موسى عليه السلام
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٨٦
٢٨٧


الصفحة التالية
Icon