البحث الثاني : أنه تعالى خص موسى وهرون في أول هذه الآية بالخطاب فقال :﴿أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ ثم عمم هذا الخطاب فقال :﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ والسبب فيه أنه تعالى أمر موسى وهرون أن يتبوآ لقومهما بيوتاً للعبادة، وذلك مما يفوض إلى الأنبياء، ثم جاء الخطاب بعد ذلك عاماً لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها، لأن ذلك واجب على الكل، ثم خص موسى عليه السلام في آخر الكلام بالخطاب فقال :﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وذلك لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات حصول هذه البشارة، فخص الله تعالى موسى بها، ليدل بذلك على أن الأصل في الرسالة هو موسى عليه السلام وأن هرون تبع له.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٩١
البحث الثالث : ذكر المفسرون في كيفية هذه الواقعة وجوهاً ثلاثة : الأول : أن موسى عليه السلام ومن معه كانوا في أول أمرهم مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم خفية من الكفرة، لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم، كما كان المؤمنون على هذه الحالة في أول الإسلام في مكة. الثاني : قيل : إنه تعالى لما أرسل موسى إليهم أمر فرعون بتخريب مساجد بني إسرائيل ومنعهم من الصلاة، فأمرهم الله تعالى أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفاً من فرعون. الثالث : أنه تعالى لما أرسل موسى إليهم وأظهر فرعون تلك العداوة الشديدة أمر الله تعالى موسى وهرون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل تعالى أنه يصونهم عن شر الأعداء.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٩١
٢٩٥
اعلم أن موسى لما بالغ في إظهار المعجزات الظاهرة القاهرة ورأى القوم مصرين على الجحود والعناد والإنكار، أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أولاً سبب إقدامه على تلك الجرائم، وكان جرمهم هو أنهم لأجل حبهم الدنيا تركوا الدين، فلهذا السبب قال موسى عليه السلام :﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلاه زِينَةً وَأَمْوَالا﴾ والزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب، وأثاث البيت والمال ما يزيد على هذه الأشياء من الصامت والناطق.
ثم قال :﴿لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وعاصم ﴿لِيُضِلُّوا ﴾ بضم الياء وقرأ الباقون بفتح الياء.
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يضل الناس ويريد إضلالهم وتقريره من وجهين : الأول : أن اللام في قوله :﴿لِيُضِلُّوا ﴾ لام التعليل، والمعنى : أن موسى قال يا رب العزة إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا، فدل هذا على أنه تعالى قد يريد إضلال المكلفين. الثاني : أنه قال :﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فقال الله تعالى :﴿قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾ وذلك أيضاً يدل على المقصود. قال القاضي : لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم ويدل عليه وجوه : الأول : أنه ثبت أنه تعالى منزه عن فعل القبيح وإرادة الكفر قبيحة. والثاني : أنه لو أراد ذلك لكان الكفار مطيعين لله تعالى بسبب كفرهم، لأنه لا معنى للطاعة إلا الإتيان بما يوافق الإرادة ولو كانوا كذلك لما استحقوا الدعاء عليهم بطمس الأموال وشد القلوب، والثالث : أنا لو جوزنا أن يريد إضلال العباد، لجوزنا أن يبعث الأنبياء عليهم السلام للدعاء إلى الضلال، ولجاز أن يقوي الكذابين الضالين المضلين بإظهار المعجزات عليهم، وفيه هدم الدين وإبطال الثقة بالقرآن والرابع : أنه لا يجوز أن يقول لموسى وهرون عليهما السلام :﴿فَقُولا لَه قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّه يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ (طه : ٤٤) وأن يقول :﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأعراف : ١٣٠) ثم إنه تعالى أراد الضلالة منهم وأعطاهم النعم لكي يضلوا، لأن ذلك كالمناقضة، فلا بد من حمل أحدهما / على موافقة الآخر. الخامس : أنه لا يجوز أن يقال : إن موسى عليه السلام دعا ربه بأن يطمس على أموالهم لأجل أن لا يؤمنوا مع تشدده في إرادة الإيمان.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٩٥
واعلم أنا بالغنا في تكثير هذه الوجوه في مواضع كثيرة من هذا الكتاب.