والاحتمال الثالث : أنا نحمل قوله :﴿وَمَن لَّسْتُمْ لَه بِرَازِقِينَ﴾ على الإماء والعبيد، وعلى الوحش والطير، وإنما أطلق عليها صيغة من تغليباً لجانب العقلاء على غيرهم.
المسألة الثانية : قوله :﴿وَمَن لَّسْتُمْ لَه بِرَازِقِينَ﴾ لا يجوز أن يكون مجروراً عطفاً على الضمير المجرور في لكم، لأنه لا يعطف على الضمير المجرور، لا يقال أخذت منك وزيد إلا بإعادة الخافض كقوله تعالى :﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّنَ مِيثَـاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ (الأحزاب : ٧).
واعلم أن هذا المعنى جائز على قراءة من قرأ :﴿تَسَآءَلُونَ بِه وَالارْحَامَ ﴾ (النساء : ١) بالخفض وقد ذكرنا هذه المسألة هنالك. والله أعلم.
جزء : ١٩ رقم الصفحة : ١٣٣
اعلم أنه تعالى لما بين أنه أنبت في الأرض كل شيء موزون وجعل فيها معايش أتبعه بذكر ما هو كالسبب لذلك فقال :﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلا عِندَنَا خَزَآاـاِنُهُ﴾.
وهذا هو النوع الرابع من الدلائل المذكورة في هذه السورة على تقرير التوحيد، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : الخزائن جمع الخزانة، وهو اسم المكان الذي يخزن فيه الشيء أي يحفظ والخزانة أيضاً عمل الخازن، ويقال : خزن الشيء يخزنه إذا أحرزه في خزانة، وعامة المفسرين على أن المراد بقوله :﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلا عِندَنَا خَزَآاـاِنُهُ﴾ هو المطر، وذلك لأنه هو السبب للأرزاق ولمعايش بني آدم وغيرهم من الطيور والوحوش، فلما ذكر تعالى أنه يعطيهم المعايش بين أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده، أي في أمره وحكمه وتدبيره، وقوله :﴿وَمَا نُنَزِّلُه ا إِلا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ قال ابن عباس رحمهما الله : يريد قدر الكفاية، وقال الحكم : ما من عام بأكثر مطراً من عام آخر، ولكنه يمطر قوم ويحرم قوم آخرون، وربما كان في البحر، يعني أن الله تعالى ينزل المطر كل عام بقدر معلوم، غير أنه يصرفه إلى من يشاء حيث شاء كما شاء.
جزء : ١٩ رقم الصفحة : ١٣٣
ولقائل أن يقول : لفظ الآية لا يدل على هذا المعنى، فإن قوله تعالى :﴿وَمَا نُنَزِّلُه ا إِلا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ لا يدل على أنه تعالى ينزله في جميع الأعوام على قدر واحد، وإذا كان كذلك كان تفسير الآية بهذا المعنى تحكماً من غير دليل. وأقول أيضاً : تخصيص قوله تعالى :﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلا عِندَنَا خَزَآاـاِنُهُ﴾ بالمطر تحكم محض، لأن قوله :﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ﴾ يتناول جميع الأشياء إلا ما خصه الدليل، وهو الموجود القديم الواجب لذاته، وقوله :﴿إِلا عِندَنَا خَزَآاـاِنُهُ﴾ إشارة إلى كون تلك الأشياء مقدورة له تعالى. وحاصل الأمر فيه أن المراد أن جميع الممكنات مقدورة له، ومملوكة يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء إلا أنه تعالى وإن كانت مقدوراته غير متناهية إلا أن الذي يخرجه منها إلى الوجود يجب أن يكون متناهياً لأن دخول ما لا نهاية له في الوجود محال فقوله :﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلا عِندَنَا خَزَآاـاِنُهُ﴾ إشارة إلى كون مقدوراته غير متناهية وقوله :﴿وَمَا نُنَزِّلُه ا إِلا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ إشارة إلى أن كل ما يدخل منها في الوجود فهو متناه، ومتى كان الخارج منها إلى الوجود متناهياً كان لا محالة مختصاً في الحدوث بوقت مقدر مع جواز حصوله قبل ذلك الوقت أو بعده بدلاً عنه، وكان مختصاً بحيز معين مع جواز حصوله في سائر الأحياز بدلاً عن ذلك الحيز، وكان مختصاً بصفات معينة، مع أنه كان يجوز في العقل حصول سائر الصفات بدلاً عن تلك الصفات، وإذا كان كذلك كان اختصاص تلك الأشياء المتناهية بذلك الوقت المعين والحيز المعين، والصفات المعينة بدلاً عن أضدادها لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر، وهذا هو المراد من قوله :﴿وَمَا نُنَزِّلُه ا إِلا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ والمعنى : أنه لولا القادر المختار الذي خصص تلك الأشياء بتلك الأحوال الجائزة لامتنع اختصاصها بتلك الصفات الجائزة، والمراد من الإنزال الإحداث والإنشاء والإبداع كقوله تعالى :﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الانْعَـامِ ثَمَـانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ (الزمر : ٦) وقوله :﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ (الحديد : ٢٥) والله أعلم.
جزء : ١٩ رقم الصفحة : ١٣٣


الصفحة التالية
Icon