الفائدة الثانية : من فوائد الآية : أن آدم عليه السلام لما لم يستغن عن التوبة مع علو شأنه فالواحد منا أولى بذلك.
الفائدة الثالثة : أن ما ظهر من آدم عليه السلام من البكاء على زلته تنبيه لنا أيضاً لأنا أحق بالبكاء من آدم عليه السلام. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال :"لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاء داود أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود وبكاء نوح عليهما السلام إلى بكاء آدم على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر".
المسألة التاسعة : إنما اكتفى الله تعالى بذكر توبة آدم دون توبة حواء لأنها كانت تبعاً له كما طوى ذكر النساء في القرآن والسنة لذلك، وقد ذكرها في قوله :﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ (الأعراف : ٢٣).
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧
المسألة الأولى : ذكروا في فائدة تكرير الأمر بالهبوط وجهين : الأول : قال الجبائي : الهبوط الأول غير الثاني فالأول من الجنة إلى سماء الدنيا والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض وهذا ضعيف من وجهين : أحدهما : أنه قال في الهبوط الأول :﴿وَلَكُمْ فِى الارْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ فلو كان الاستقرار في الأرض إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكر قوله :﴿وَلَكُمْ فِى الارْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـاعٌ﴾ (البقرة : ٣٦) عقيب الهبوط الثاني أولى. وثانيهما : أنه قال في الهبوط الثاني :﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ والضمير في (منها) عائد إلى الجنة. وذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنة. الوجه الثاني : أن التكرير لأجل التأكيد وعندي فيه وجه ثالث أقوى من هذين الوجهين وهو أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة أمرا بالهبوط فتابا بعد الأمر بالهبوط ووقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط لما كان بسبب الزلة فبعد التوبة وجب أن لا يبقى الأمر بالهبوط فأعاد الله تعالى الأمر بالهبوط مرة ثانية ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب الزلة حتى يزول بزوالها بل الأمر بالهبوط باقٍ بعد التوبة لأن الأمر به كان تحقيقاً للوعد المتقدم في قوله :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِى الارْضِ خَلِيفَةً ﴾ (البقرة : ٣٠) فإن قيل / ما جواب الشرط الأول ؟
قلنا : الشرط الثاني مع جوابه، كقولك : إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك.
المسألة الثانية : روي في الأخبار أن آدم عليه السلام أهبط بالهند وحواء بجدة وإبليس بموضع من البصرة على أميال والحية بأصفهان.
المسألة الثالثة : في "الهدي" وجوه : أحدها : المراد منه كل دلالة وبيان فيدخل فيه دليل العقل وكل كلام ينزل على نبي، وفيه تنبيه على عظم نعمة الله تعالى على آدم وحواء فكأنه قال : وإن أهبطنكم من الجنة إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بما يؤديكم مرة أخرى إلى الجنة مع الدوام الذي لا ينقطع. قال الحسن : لما أهبط آدم عليه السلام إلى الأرض أوحى الله تعالى إليه يا آدم أربع خصال فيها كل الأمر لك ولولدك. واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين الناس، أما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك فإذا عملت نلت أجرتك، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فإن تصحبهم بما تحب أن يصحبوك به. وثانيها : ما روي عن أبي العالية أن المراد من الهدى الأنبياء وهذا إنما يتم لو كان المخاطب بقوله :﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى﴾ غير آدم وهم ذريته وبالجملة فهذا التأويل يوجب تخصيص المخاطبين بذرية آدم وتخصيص الهدي بنوع معين وهو الأنبياء من غير دليل دل على هذا التخصيص.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧


الصفحة التالية
Icon