واعلم أن الخلاف في هذه المسألة راجع إلى العبارة. وذلك لأنه لا نزاع في أن هذه الأشياء أعني الحياة والعقل والسمع والبصر وأنواع الرزق والمنافع من الله تعالى إنما الخلاف في أن أمثال هذه المنافع إذا حصل عقيبها تلك المضار الأبدية هل يطلق في العرف عليها اسم النعمة أم لا ؟
ومعلوم أن ذلك نزاع في مجرد عبارة، وأما الذي يدل على أن ما لا يلتذ به المكلف فهو تعالى إنما خلقه لينتفع به في الاستدلال على الصانع وعلى لطفه وإحسانه فأمور. أحدها : قوله تعالى في سورة أتى أمر الله :﴿يُنَزِّلُ الملائكة بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِه عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِه ﴾ فيبين تعالى أنه إنما بعث الرسل مبشرين ومنذرين ولأجل الدعوة إلى وحدانيته والإيمان بتوحيده وعدله، ثم إنه تعالى قال :﴿خَلَقَ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضَ بِالْحَقِّا تَعَـالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ الانسَـانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ (النحل : ٢ ـ ٤) فبين أن حدوث العبد مع ما فيه من الكفر من أعظم الدلائل على وجود الصانع وهو انقلابه من حال إلى حال، من كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن ينتهي من أخس أحواله / وهو كونه نطفة إلى أشرف أحواله وهو كونه خصيماً مبيناً، ثم ذكر بعد ذلك وجوه إنعامه فقال :﴿وَالانْعَـامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَـافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ إلى قوله :﴿هُوَ الَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءًا لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (النحل : ١٠) بين بذلك الرد على الدهرية وأصحاب الطبائع لأنه تعالى بين أن الماء واحد والتراب واحد ومع ذلك اختلفت الألوان والطعوم والروائح، ثم قال :﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ (إبراهيم : ٣٣) بين به الرد على المنجمين وأصحاب الأفلاك حيث استدل بحركاتها وبكونها مسخرة على طريقة واحدة على حدوثها فأثبت سبحانه وتعالى بهذه الآيات أن كل ما في العالم مخلوق لأجل المكلفين لأن كل ما في العالم مما يغاير ذات المكلف ليس يخلو من أن يلتذ به المكلف ويستروح إليه فيحصل له به سرور أو يتحمل عنه كلفة أو يحصل له به اعتبار نحو الأجسام المؤذية كالحيات والعقارب فيتذكر بالنظر إليها أنواع العقاب في الآخرة فيحترز منها ويستدل بها على المنعم الأعظم، فثبت أنه لا يخرج شيء من مخلوقاته عن هذه المنافع، ثم إنه سبحانه وتعالى نبه على عظم إنعامه بهذه الأشياء في آخر هذه الآيات فقال :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَآ ﴾ (إبراهيم : ٣٤). وثانيها : قوله تعالى :﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَـاـاِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ (النحل : ١١٢) فنبه بذلك على أن كون النعمة واصلة إليهم يوجب أن يكون كفرانها سبباً للتبديل، وثالثها : قوله في قصة قارون :﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ (القصص : ٧٧) وقال :﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِى الارْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَه ظَـاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ (لقمان : ٢٠) وقال :﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَه ا أَمْ نَحْنُ الْخَـالِقُونَ﴾ (الواقعة : ٥٨) وقال :﴿فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (يس : ١٤) (الرحمن : ١٦) على سبيل التكرير وكل ما في هذه السورة فهو من النعم، إما في الدين أو في الدنيا فهذا ما يتعلق بهذا الباب.
المسألة الثالثة : في النعم المخصوصة ببني إسرائيل قال بعض العارفين : عبيد النعم كثيرون وعبيد المنعم قليلون، فالله تعالى ذكر بني إسرائيل بنعمه عليهم ولما آل الأمر إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلّم ذكرهم بالمنعم فقال :﴿فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ﴾ فدل ذلك على فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلّم على سائر الأمم.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧


الصفحة التالية
Icon