واعلم أن نعم الله تعالى على بني إسرائيل كثيرة (أ) استنقذهم مما كانوا فيه من البلاء من فرعون وقومه وأبدلهم من ذلك بتمكينهم في الأرض وتخليصهم من العبودية كما قال :﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِى الارْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَاـاِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الارْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـامَـانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص : ٥، ٦). (ب) جعلهم أنبياء وملوكاً بعد أن كانوا عبيداً للقبط فأهلك أعداءهم وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم كما قال :﴿كَذَالِكَ وَأَوْرَثْنَـاهَا بَنِى إسرائيل ﴾ (الشعراء : ٥٩) (ج) أنزل عليهم الكتب العظيمة التي ما أنزلها على أمة سواهم كما قال :﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِه يَـاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنابِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَءَاتَـاـاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَـالَمِينَ﴾ (المائدة : ٢٠). (د) روى هشام عن ابن عباس أنه قال : من نعمة الله تعالى على بني إسرائيل أن نجاهم من آل فرعون وظلل عليهم في التيه الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى في التيه وأعطاهم الحجر الذي / كان كرأس الرجل يسقيهم ما شاؤوا من الماء متى أرادوا فإذا استغنوا عن الماء رفعوه فاحتبس الماء عنهم وأعطاهم عموداً من النور ليضيء لهم بالليل وكانت رؤوسهم لا تتشعث وثيابهم لا تبلى. واعلم أنه سبحانه وتعالى إنما ذكرهم بهذه النعم لوجوه : أحدها : أن في جملة النعم ما يشهد بصدق محمد صلى الله عليه وسلّم وهو التوراة والإنجيل والزبور. وثانيها : أن كثرة النعم توجب عظم المعصية فذكرهم تلك النعم لكي يحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلّم وبالقرآن. وثالثها : أن تذكير النعم الكثيرة يوجب الحياء عن إظهار المخالفة. ورابعها : أن تذكير النعم الكثيرة يفيد أن المنعم خصهم من بين سائر الناس بها ومن خص أحداً بنعم كثيرة فالظاهر أنه لا يزيلها عنهم لما قيل : إتمام المعروف خير من ابتدائه فكأن تذكير النعم السالفة يطمع في النعم الآتية، وذلك الطمع مانع من إظهار المخالفة والمخاصمة. فإن قيل : هذه النعم ما كانت على المخاطبين بل كانت على آبائهم فكيف تكون نعماً عليهم وسبباً لعظم معصيتهم ؟
والجواب من وجوه : أحدها : لولا هذه النعم على آبائهم لما بقوا فما كان يحصل هذا النسل فصارت النعم على الآباء كأنها نعم على الأبناء. وثانيها : أن الانتساب إلى الآباء وقد خصهم الله تعالى بنعم الدين والدنيا نعمة عظيمة في حق الأولاد. وثالثها : الأولاد متى سمعوا أن الله خص آباءهم بهذه النعم لمكان طاعتهم وإعراضهم عن الكفر والجحود رغب الولد في هذه الطريقة لأن الولد مجبول على التشبه بالأب في أفعال الخير فيصير هذا التذكير داعياً إلى الاشتغال بالخيرات والإعراض عن الشرور.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧
أما قوله تعالى :﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ فاعلم أن العهد يضاف إلى المعاهد والمعاهد جميعاً وذكروا في هذا العهد قولين : الأول : أن المراد منه جميع ما أمر الله به من غير تخصيص ببعض التكاليف دون بعض ثم فيه روايات. إحداها : أنه تعالى جعل تعريفه إياهم نعمه عهداً له عليهم من حيث يلزمهم القايم بشكرها كما يلزمهم الوفاء بالعهد والميثاق، وقوله :﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ أراد به الثواب والمغفرة. فجعل الوعد بالثواب شبيهاً بالعهد من حيث اشتراكهما في أنه لا يجوز الإخلال به. ثانيها : قال الحسن : المراد منه العهد الذي أخذه الله تعالى على بني إسرائيل في قوله تعالى :﴿وَبَعَثْنَا مِنُهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّى مَعَكُم لئن أَقَمْتُمُ الصَّلَواةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَواةَ﴾ إلى قوله :﴿وَلادْخِلَنَّكُمْ جَنَّـاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانْهَـارُ ﴾ (المائدة : ١٢) فمن وفى لله بعهده وفى الله له بعهده، وثالثها : وهو قول جمهور المفسرين أن المراد أوفوا بما أمرتكم به من الطاعات ونهيتكم عنه من المعاصي أوف بعهدكم، أي أرضى عنكم وأدخلكم الجنة وهو الذي حكاه الضحاك عن ابن عباس وتحقيقه ما جاء في قوله تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾ إلى قوله تعالى :﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِه مِنَ اللَّه فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِه ﴾ (التوبة : ١١١).
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧


الصفحة التالية
Icon