اعلم أنه تعالى إنما أعاد هذا الكلام مرة أخرى توكيداً للحجة عليهم وتحذيراً من ترك اتباع محمد صلى الله عليه وسلّم ثم قرنه بالوعيد، وهو قوله :﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ (البقرة : ٤٨، ١٢٣) كأنه قال : إن لم تطيعوني لأجل سوالف نعمتي عليكم فأطيعوني للخوف من عقابي في المستقبل. أما قوله :﴿وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَـالَمِينَ﴾ ففيه سؤال وهو : أنه يلزم أن يكونوا أفضل من محمد عليه السلام وذلك باطل بالاتفاق. والجواب عنه من وجوه. أحدها : قال قوم : العالم عبارة عن الجمع الكثير من الناس كقولك : رأيت عالماً من الناس، والمراد منه الكثير لا الكل، وهذا ضعيف لأن لفظ العالم مشتق من العلم وهو الدليل، فكل ما كان دليلاً على الله تعالى كان عالماً، فكان من العالم، وهذا تحقيق قول المتكلمين : العالم كل موجود سوى الله، وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ العالم ببعض المحدثات. وثانيها : المراد فضلتكم على عالمي زمانكم وذلك لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود لم يكن ذلك الشخص من جملة العالمين حال عدمه لأن شرط العالم أن يكون موجوداً والشيء حال عدمه لا يكون موجوداً. فالشيء حال عدمه لا يكون من العالمين، وأن محمداً عليه السلام ما كان موجوداً في ذلك الوقت، فما كان ذلك الوقت من العالمين فلا يلزم من كون بني إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت دونهم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلّم في ذلك الوقت، وهذا هو الجواب أيضاً عن قوله تعالى :﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِه يَـاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنابِيَآءَ﴾ (المائدة : ٢٠). وقال :﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَـاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَـالَمِينَ﴾ (الدخان : ٣٢) وأراد به عالمي ذلك الزمان، وإنما كانوا أفضل من غيرهم بما أعطوا من الملك والرسالة والكتب الإلهية، وثالثها : أن قوله :﴿وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَـالَمِينَ﴾ عام في العالمين لكنه مطلق في الفضل والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة. فالآية تدل على أن بني إسرائيل فضلوا على العالمين في أمر ما وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور، بل لعلهم وإن كانوا أفضل من غيرهم في أمر واحد فغيرهم يكون أفضل منهم فيما عدا ذلك الأمر وعند ذلك يظهر أنه لا يصح الاستدلال بقوله تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ا ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَـالَمِينَ﴾ (آل عمران : ٣٣) على أن الأنبياء أفضل من الملائكة. بقي ههنا أبحاث :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٨٥
البحث الأول : قال ابن زيد : أراد به المؤمنين منهم لأن عصاتهم مسخوا قردة وخنازير على / ما قال تعالى :﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ (المائدة : ٠٦) وقال :﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنا بَنِى إسرائيل ﴾ (المائدة : ٧٨).
البحث الثاني : أن جميع ما خاطب الله تعالى به بني إسرائيل تنبيه للعرب لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم، وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد. قال الله تعالى :﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه ا ﴾ (الزمر : ١٨)، وقال :﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم﴾ (الزمر : ٥٥). وقال :﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاوْلِى الالْبَـابِ ﴾ (يوسف : ١١). ولذلك روى قتادة قال : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول : قد مضى الله بنو إسرائيل وما يغني ما تسمعون عن غيركم.
البحث الثالث : قال القفال :"النعمة بكسر النون المنة وما ينعم به الرجل على صاحبه. قال تعالى :﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ﴾ (الشعراء : ٢٢) وأما النعمة بفتح النون فهو ما يتنعم به في العيش، قال تعالى :﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَـاكِهِينَ﴾ (الدخان : ٢٧).
البحث الرابع : قوله تعالى :﴿وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَـالَمِينَ﴾ يدل على أن رعاية الأصلح لا تجب على الله تعالى لا في الدنيا ولا في الدين لأن قوله :﴿وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَـالَمِينَ﴾ يتناول جميع نعم الدنيا والدين، فذلك التفضيل إما أن يكون واجباً أو لا يكون واجباً، فإن كان واجباً لم يجز جعله منة عليهم لأن من أدى واجباً فلا منة له على أحد وإن كان غير واجب مع أنه تعالى خصص البعض بذلك دون البعض، فهذا يدل على أن رعاية الأصلح غير واجبة لا في الدنيا ولا في الدين. فإن قيل : لما خصهم بالنعم العظيمة في الدنيا، فهذا يناسب أن يخصهم أيضاً بالنعم العظيمة في الآخرة كما قيل : إتمام المعروف خير من ابتدائه، فلم أردف ذلك التخويف الشديد في قوله :﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ والجواب : لأن المعصية مع عظم النعمة تكون أقبح وأفحض فلهذا حذرهم عنها.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٨٥