السؤال الثاني : أن الله تعالى قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الفدية وذكر هذه الآية في هذه السورة بعد العشرين والمائة وقدم قبول الفدية على ذكر الشفاعة فما الحكمة فيه ؟
الجواب : أن من كان ميله إلى حب المال أشد من ميله إلى علو النفس فإنه يقدم التمسك بالشافعين على إعطاء الفدية ومن كان بالعكس يقدم الفدية على الشفاعة، ففائدة تغيير الترتيب، الإشارة إلى هذين الصنفين : ولنذكر الآن تفسير الألفاظ : أما قوله تعالى :﴿لا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ فقال القفال : الأصل في جزي هذا عند أهل اللغة قضي ومنه الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال لأبي بردة بن يسار :"تجزيك ولا تجزي أحداً بعدك"، هكذا يرويه أهل العربية :"تجزيك" بفتح التاء غير مهموز أي تقضي عن أضحيتك وتنوب، ومعنى الآية أن يوم القيامة لا تنوب نفس عن نفس شيئاً ولا تحمل عنها شيئاً مما أصابها، بل يفر المرء فيه من أخيه وأمه وأبيه ومعنى هذه النيابة أن طاعة المطيع لا تقضي على العاصي ما كان واجباً عليه. وقد تقع هذه النيابة في الدنيا كالرجل يقضي عن قريبه وصديقه دينه ويتحمل عنه، فأما يوم القيامة فإن قضاء الحقوق إنما يقع فيه من الحسنات. روى أبو هريرة قال : قال عليه السلام :"رحم الله عبداً كان عنده لأخيه مظلمة في عرض أو مال أو جاه فاستحله قبل أن يؤخذ منه وليس ثم دينار ولا درهم فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته وإن لم يكن له حسنات حمل من سيئاته". قال صاحب الكشاف : و(شيئاً) مفعول به ويجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلاً من الجزاء كقوله تعالى :﴿وَلا يُظْلَمُونَ شَيْـاًا﴾ (مريم : ٦٠). ومن قرأ :"لا يجزي" من أجزأ عنه إذا أغنى عنه فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئاً من الإجزاء وهذه الجملة منصوبة المحل صفة ليوماً. فإن قيل : فأين العائد منها إلى الموصوف ؟
قلنا : هو محذوف تقديره لا تجزي فيه ومعنى التنكير أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس غيرها شيئاً من الأشياء وهو الإقناط الكلي القطاع للمطامع. أما قوله تعالى :﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـاعَةٌ﴾ فالشفاعة / أن يستوهب أحد لأحد شيئاً ويطلب له حاجة وأصلها من الشفع الذي هو ضد الوتر/ كأن صاحب الحاجة كان فرداً فصار الشفيع له شفعاً أي صارا زوجاً. واعلم أن الضمير في قوله :﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا﴾ راجع إلى النفس الثانية العاصية وهي التي لا يؤخذ منها عدل، ومعنى لا يقبل منها شفاعة إنها إن جاءت بشفاعة شفيع لا يقبل منها، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى، على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها كما لا تجزي عنها شيئاً. أما قوله تعالى :﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ أي فدية، وأصل الكلمة من معادلة الشيء تقول : ما أعدل بفلان أحداً، أي لا أرى له نظيراً. قال تعالى :﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (المائدة : ٣٦) ونظيره هذه الآية قوله تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى الارْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَه مَعَه لِيَفْتَدُوا بِه مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَـامَةِ مَا﴾ (المائدة : ٣٦) وقال تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الارْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِه ﴾ (آل عمران : ٩١) وقال :﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَآ ﴾ (الأنعام : ٧٠).
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٨٥
أما قوله تعالى :﴿وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ فاعلم أن التناصر إنما يكون في الدنيا بالمخالطة والقرابة وقد أخير الله تعالى أنه ليس يومئذ خلة ولا شفاعة وأنه لا أنساب بينهم، وإنما المرء يفر من أخيه وأمه وأبيه وقرابته، قال القفال : والنصر يراد به المعونة كقوله :"انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، ومنه معنى الإغاثة : تقول العرب : أرض منصورة أي ممطورة، والغيث ينصر البلاد إذا أنبتها فكأنه أغاث أهلها وقيل في قوله تعالى :﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ﴾ (الحج : ١٥) أي أن لن يرزقه كما يرزق الغيث البلاد، ويسمى الانتقام نصرة وانتصاراً، قال تعالى :﴿وَنَصَرْنَـاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِـاَايَـاتِنَآ ﴾ (الأنبياء : ٧٧) قالوا معناه : فانتقمنا له، فقوله تعالى :﴿وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ يحتمل هذه الوجوه فإنهم يوم القيامة لا يغاثون، ويحتمل أنهم إذا عذبوا لم يجدوا من ينتقم لهم من الله، وفي الجملة كأن النصر هو دفع الشدائد، فأخبر الله تعالى أنه لا دافع هناك من عذابه، بقي في الآية مسألتان :