المسألة الأولى : أن في الآية أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في تلافي الإنسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة، فإذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة، ومن فوت التوبة من حيث إنه لا يقين له في البقاء صار حذراً خائفاً في كل حال، والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم وذلك يعم كل من يحضر في ذلك اليوم.
المسألة الثانية : أجمعت الأمة على أن لمحمد صلى الله عليه وسلّم شفاعة في الآخرة وحمل على ذلك قوله تعالى :﴿عَسَى ا أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (الإسراء : ٧٩) وقوله تعالى :﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ (الضحى : ٥) ثم اختلفوا بعد هذا في أن شفاعته عليه السلام لمن تكون أتكون للمؤمنين المستحقين / للثواب، أم تكون لأهل الكبائر المستحقين للعقاب ؟
فذهبت المعتزلة على أنها للمستحقين للثواب وتأثير الشفاعة في أن تحصل زيادة من المنافع على قدر ما استحقوه، وقال أصحابنا : تأثيرها في إسقاط العذاب عن المستحقين للعقاب، إما بأن يشفع لهم في عرصة القيامة حتى لا يدخلوا النار وإن دخلوا النار فيشفع لهم حتى يخرجوا منها ويدخلوا الجنة واتفقوا على أنها ليست للكفار/ واستدلت المعتزلة على إنكار الشفاعة لأهل الكبائر بوجوه. أحدها : هذه الآية : قالوا إنها تدل على نفي الشفاعة من ثلاثة أوجه.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٨٥
الأول : قوله تعالى :﴿لا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكان قد أجزت نفس عن نفس شيئاً. الثاني : قوله تعالى :﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـاعَةٌ﴾ وهذه نكرة في سياق النفي فتعم جميع أنواع الشفاعة، والثالث : قوله تعالى :﴿وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ ولو كان محمد شفيعاً لأحد من العصاة لكان ناصراً له وذلك على خلاف الآية. لا يقال الكلام على الآية من وجهين : الأول : أن اليهود كانوا يزعمون أن آباءهم يشفعون لهم فأيسوا من ذلك، فالآية نزلت فيهم. الثاني : أن ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعة مطلقاً إلا أنا أجمعنا على تطرق التخصيص إليه في حق زيادة الثواب لأهل الطاعة، فنحن أيضاً نخصه في حق المسلم صاحب الكبيرة بالدلائل التي نذكرها، لأنا نجيب عن الأول بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعن الثاني أنه لا يجوز أن يكون المراد من الآية نفي الشفاعة في زيادة المنافع لأنه تعالى حذر من ذلك اليوم بأنه لا تنفع فيه شفاعة، وليس يحصل التحذير إذا رجع نفي الشفاعة إلى تحصيل زيادة النفع لأن عدم حصول زيادة النفع ليس فيه خطر ولا ضرر يبين ذلك أنه تعالى لو قال : اتقوا يوماً لا أزيد فيه منافع المستحق للثواب بشفاعة أحد لم يحصل بذلك زجر عن المعاصي، ولو قال : اتقوا يوماً لا أسقط فيه عقاب المستحق للعقاب بشفاعة شفيع كان ذلك زجراً عن المعاصي، فثبت أن المقصود من الآية نفي تأثير الشفاعة في إسقاط العقاب لا نفي تأثيرها في زيادة المنافع. وثانيها : قوله تعالى :﴿مَا لِلظَّـالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (غافر : ١٨) والظالم هو الآتي بالظلم وذلك يتناول الكافر وغيره، لا يقال إنه تعالى نفى أن يكون للظالمين شفيع يطاع ولم ينف شفيعاً يجاب ونحن نقول بموجبه فإنه لا يكون في الآخرة شفيع يطاع، لأن المطاع يكون فوق المطيع، وليس فوقه تعالى أحد يطيعه الله تعالى، لأنا نقول : لا يجوز حمل الآية على ما قلتم من وجهين، الأول : أن العلم بأنه ليس فوقه تعالى أحد يطيعه، متفق عليه بين العقلاء. أما من أثبته سبحانه فقد اعترف أنه لا يطيع أحداً، وأما من نفاه فمع القول بالنفي استحال أن يعتقد فيه كونه مطيعاً لغيره، فإذا ثبت هذا كان حمل الآية على ما ذكرتم حملاً لها على معنى لا يفيد. الثاني : أنه تعالى نفى شفيعاً يطاع، والشفيع لا يكون إلا دون المشفوع إليه لأن من فوقه يكون آمراً له وحاكماً عليه ومثله لا يسمى شفيعاً فأفاد قوله :"شفيع" كونه دون الله تعالى فلم يمكن حمل قوله :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٨٥


الصفحة التالية
Icon