﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَآاـاِبِينَ﴾ (الانفطار : ١٤ ـ ١٦) يدل على أن كل الفجار يدخلون النار وأنهم لا يغيبون عنها وإذا ثبت أنهم لا يغيبون عنها ثبت أنهم لا يخرجون منها، وإذا كان كذلك لم يكن للشفاعة أثر لا في العفو عن العقاب ولا في الإخراج من النار بعد الإدخال فيها. وتاسعها : قوله تعالى :﴿يُدَبِّرُ الامْرَا مَا مِن شَفِيعٍ إِلا مِنا بَعْدِ إِذْنِه ﴾ (يونس : ٣) فنفى الشفاعة عمن لم يأذن في شفاعته وكذا قوله :﴿مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَه ا إِلا بِإِذْنِه ﴾ (البقرة : ٢٥٥) وكذا قوله تعالى :﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـانُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ (سبأ : ٣٨) وإنه تعالى لم يأذن في الشفاعة في حق أصحاب الكبائر لأن هذا الإذن لو عرف لعرف إما بالعقل أو بالنقل، أما العقل فلا مجال له فيه، وأما النقل / فأما بالتواتر أو بالآحاد، والآحاد لا مجال له فيه لأن رواية الآحاد لا تفيد إلا الظن والمسألة علمية والتمسك في المطالب العلمية بالدلائل الظنية غير جائز. وأما بالتواتر فباطل لأنه لو حصل ذلك لعرفه جمهور المسلمين ولو كان كذلك لما أنكروا هذه الشفاعة. فحيث أطبق الأكثرون على الأنكار علمنا أنه لم يوجد هذا الإذن. وعاشرها : قوله تعالى :﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَه يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِه وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ ولو كانت الشفاعة حاصلة للفاسق لم يكن لتقييدها بالتوبة ومتابعة السبيل معنى. الحادي عشر : الأخبار الدالة على أنه لا توجد الشفاعة في حق أصحاب الكبائر وهي أربعة. الأول : ما روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام دخل المقبرة فقال :"السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت اخواننا : قالوا : يا رسول الله ألسنا إخوانك. قال : بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد. قالوا : يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك ؟
قال : أرأيت إن كان لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم فهل لا يعرف خيله ؟
قالوا : بلى يا رسول الله، قال فانهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء، وأما فرطهم على الحوض، ألا فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم، ألا هلم ألا هلم فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول فسحقاً فسحقاً". والاستدلال بهذا الخبر على نفي الشفاعة أنه لو كان شفيعاًلهم لم يكن يقول فسحقاً فسحقاً، لأن الشفيع لا يقول ذلك، وكيف يجوز أن يكون شفيعاً لهم في الخلاص من العقاب الدائم وهو يمنعهم شربة ماء. الثاني : روى عبد الرحمن ابن ساباط عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال لكعب بن عجرة :"يا كعب بن عجرة أعيذك بالله من إمارة السفهاء إنه سيكون أمراء من دخل عليهم فأعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم فليس مني ولست منه ولن يرد على الحوض ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه وسيرد على الحوض، يا كعب بن عجرة الصلاة قربان والصوم جنة والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفيء الماء النار، يا كعب بن عجرة لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت). والاستدلال بهذا الحديث من ثلاثة أوجه. أحدها : أنه إذا لم يكن من النبي ولا النبي منه فكيف يشفع له، وثانيها : قوله :"لم يرد على الحوض" دليل على نفي الشفاعة لأنه إذا منع من الوصول إلى الرسول حتى لا يرد عليه الحوض فبأن يمتنع الرسول من خلاصه من العقاب أولى. وثالثها : أن قوله :"لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت" صريح في أنه لا أثر للشفاعة في حق صاحب الكبيرة. الثالث : عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام :"لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول : يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك". وهذا صريح في المطلوب، لأنه إذا لم يملك له من الله شيئاً فليس له في الشفاعة نصيب. الرابع : عن أبي هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام :"ثلاثة أنا خصيمهم يوم القيامة، ومن كنت خصيمه خصمته، رجل / أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفه أجرته". والاستدلال به أنه عليه الصلاة والسلام لما كان خصيماً لهؤلاء استحال أن يكون شفيعاً لهم، فهذا مجموع وجوه المعتزلة في هذا الباب. أما أصحابنا فقد تمسكوا فيه بوجوه. أحدها : قوله سبحانه وتعالى : حكاية عن عيسى عليه السلام :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٨٥


الصفحة التالية
Icon