أما قوله تعالى :﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّـاعِقَةُ﴾ ففيه أبحاث :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥١٨
البحث الأول : استدلت المعتزلة بذلك على أن رؤية الله ممتنعة، قال القاضي عبد الجبار : إنها لو كانت جائزة لكانوا قد التمسوا أمراً مجوزاً فوجب أن لا تنزل بهم العقوبة كما لم تنزل بهم العقوبة لما التمسوا النقل من قوت إلى قوت وطعام إلى طعام في قوله تعالى :﴿لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُانبِتُ الارْضُ﴾ (البقرة : ٦١)، وقال أبو الحسين في كتاب التصفح : إن الله تعالى ما ذكر سؤال الرؤية إلا استعظمه، وذلك في آيات. أحدها : هذه الآية فإن الرؤية لو كانت جائزة لكان قولهم :(لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) كقول الأمم لأنبيائهم : لن نؤمن إلا باحياء ميت في أنه لا يستعظم ولا تأخذهم الصاعقة. وثانيها : قوله تعالى :﴿يَسْـاَلُكَ أَهْلُ الْكِتَـابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـابًا مِّنَ السَّمَآءِا فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى ا أَكْبَرَ مِن ذَالِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (النساء : ١٥٣)، فسمي ذلك ظلماً وعاقبهم في الحال، فلو كانت الرؤية جائزة لجرى سؤالهم لها مجرى من يسأل معجزة زائدة. فإن قلت أليس إنه سبحانه وتعالى قد أجرى إنزال الكتاب من السماء مجرى الرؤية في كون كل واحد منهما عتوا، فكما أن إنزال الكتاب غير ممتنع في نفسه فكذا سؤال الرؤية. قلت : الظاهر يقتضي كون كل واحد منهما ممتنعاً ترك العمل به في إنزال الكتاب فيبقى معمولاً به في الرؤية. وثالثها : قوله تعالى :﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَـا اـاِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ (الفرقان : ٢١) فالرؤية لو كانت جائزة وهي عند مجزيها من أعظم المنافع لم يكن التماسها عتواً لأن من سأل الله تعالى نعمة في الدين أو الدنيا لم يكن عاتياً وجرى ذلك مجرى ما يقال : لن نؤمن لك حتى يحيي الله بدعائك هذا الميت.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥١٨
واعلم أن هذه الوجوه مشتركة في حرف واحد وهو أن الرؤية لو كانت جائزة لما كان سؤالها عتواً ومنكراً/ وذلك ممنوع. (و) قوله : إن طلب سائر المنافع من النقل من طعام إلى طعام لما كان ممكناً لم يكن طالبه عاتياً وكذا القول في طلب سائر المعجزات. قلنا : ولم قلت إنه لما كان طالب ذلك الممكن ليس بعات وجب أن يكون طالب كل ممكن غير عات والاعتماد في مثل هذا الموضع على ضروب الأمثلة لا يليق بأهل العلم وكيف وأن الله تعالى ما ذكر الرؤية إلا وذكر معها شيئاً ممكناً حكمنا بجوازه بالاتفاق وهو إما نزول الكتاب من السماء أو نزول الملائكة. وأثبت صفة العتو على مجموع الأمرين، وذلك كالدلالة القاطعة في أن صفة العتو ما حصلت لأجل كون المطلوب ممتنعاً. أما قوله أبي الحسين : الظاهر يقتضي كون الكل ممتنعاً ترك العمل به في البعض فيبقى معمولاً به في الباقي. قلنا : إنك ما أقمت دليلاً على أن الاستعظام لا يتحقق إلا إذا كان المطلوب ممتنعاً وإنما عولت فيه على ضروب الأمثلة، والمثال لا ينفع في هذا الباب، فبطل قولك : الظاهر يقتضي كون الكل ممتنعاً. فظهر بما قلنا سقوط كلام المعتزلة. فإن قال قائل : فما السبب في استعظام سؤال الرؤية ؟
الجواب في ذلك يحتمل وجوهاً. أحدها : أن رؤية الله تعالى لا تحصل إلا في الآخرة، فكان طلبها في الدنيا / مستنكراً. وثانيها : أن حكم الله تعالى أن يزيل التكليف عن العبد حال ما يرى الله فكان طلب الرؤية طلباً لإزالة التكليف وهذا على قول المعتزلة أولى، لأن الرؤية تتضمن العلم الضروري والعلم الضروري ينافي التكليف، وثالثها : أنه لما تمت الدلائل على صدق المدعي كان طلب الدلائل الزائدة تعنتاً والمتعنت يستوجب التعنيف، ورابعها : لا يمتنع أن يعلم الله تعالى أن في منع الخلق عن رؤيته سبحانه في الدنيا ضرباً من المصلحة المهمة، فلذلك استنكر طلب الرؤية في الدنيا كما علم أن في إنزال الكتاب من السماء وإنزال الملائكة من السماء مفسدة عظيمة فلذلك استنكر طلب ذلك والله أعلم.


الصفحة التالية
Icon