المسألة الرابعة : القراءة المعروفة :﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ وفي حرف أبي بن كعب :(أتبدلون) بإسكان الباء وعن زهير الفرقبي :(أدنأ) بالهمزة من الدناءة. واختلفوا في المراد بالأدنى وضبط القول فيه أن المراد إما أن يكون أدنى في المصلحة في الدين أو في المنفعة في الدنيا، والأول غير مراد لأن الذي كانوا عليه لو كان أنفع في باب الدين من الذي طلبوه لما جاز أن يجيبهم إليه، لكنه قد أجابهم إليه بقوله :﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ﴾، فبقي أن يكون المراد منه المنفعة في الدنيا ثم لا يجوز أن يكون المراد أن هذا النوع الذي أنتم عليه أفضل من الذي تطلبونه لما بينا أن الطعام الذي يكون ألذ الأطعمة عند قوم قد يكون أخسها عند آخرين، بل المراد ما بينا أن المن والسلوى متيقن الحصول وما يطلبونه مشكوك الحصول والمتيقين خير من المشكوك أو لأن هذا يحصل من غير كد ولا تعب، وذلك لا يحصل إلا مع الكد والتعب، فيكون الأول أولى. فإن قيل : كان لهم أن يقولوا هذا الذي يحصل عفواً صفواً لما كرهناه بطباعنا كان تناوله أشق من الذي لا يحصل إلا مع الكد إذا اشتهته طباعنا. قلنا : هب أنه وقع التعارض من هذه الجهة لكنه وقع الترجيح بما أن الحاضر المتيقن راجع على الغائب المشكوك.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٢٢
المسألة الخامسة : القراءة المعروفة :﴿اهْبِطُوا ﴾ بكسر الباء وقرىء بضم الباء، القراءة المشهورة :﴿مِصْرًا﴾ بالتنوين وإنما صرفه مع اجتماع السببين فيه وهما التعريف والتأنيث لسكون وسطه كقوله :﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُا وَمِن ذُرِّيَّتِه دَاوُادَ وَسُلَيْمَـانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَـارُونَا وَكَذَالِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَا كُلٌّ مِّنَ الصَّـالِحِينَ * وَإِسْمَـاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلا فَضَّلْنَا عَلَى﴾ (الأنعام : ٨٦، ٨٤) وفيهما العجمة والتعريف وإن أريد به البلد، فما فيه إلا سبب واحد، وفي مصحف عبد الله وقرأ به الأعمش :﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ بغير تنوين كقوله :﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ واختلف المفسرون في قوله :﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب ترك التنوين، وقال الحسن : الألف في مصراً زيادة من الكاتب فحينئذ تكون معرفة فيجب أن تحمل على ما هو المختص بهذا الاسم وهو البلد الذي كان فيه فرعون وهو مروي عن أبي العالية والربيع، وأما الذين قرؤوا بالتنوين وهي القراءة المشهورة فقد اختلفوا، فمنهم من قال : المراد البلد الذي كان فيه فرعون ودخول التنوين فيه كدخوله في نوح ولوط، وقال آخرون : المراد الأمر بدخول أي بلد كان كأنه قيل لهم ادخلوا بلداً أي بلد كان لتجدوا فيه هذه الأشياء، وبالجملة فالمفسرون قد اختلفوا في أن المراد من مصر هو البلد الذي كانوا فيه أولاً أو بلد آخر، فقال كثير من المفسرين : لا يجوز / أن يكون هو البلد الذي كانوا فيه مع فرعون واحتجوا عليه بقوله تعالى :﴿ادْخُلُوا الارْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى ا أَدْبَارِكُمْ﴾ (المائدة : ٢١) والاستدلال بهذه الآية من ثلاثة أوجه. الأول : أن قوله تعالى :﴿ادْخُلُوا الارْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ إيجاب لدخول تلك الأرض، وذلك يقتضي المنع من دخول أرض أخرى. والثاني : أن قوله :﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾ يقتضي دوام كونهم فيه. والثالث : أن قوله :﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى ا أَدْبَارِكُمْ﴾ صريح في المنع من الرجوع عن بيت المقدس. الرابع : أنه تعالى بعد أن أمر بدخول الأرض المقدسة قال :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٢٢