﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِم أَرْبَعِينَ سَنَةًا يَتِيهُونَ فِى الارْضِ ﴾ فإذا تقدم هذا الأمر ثم بين تعالى أنهم ممنوعون من دخولها هذه المدة فعند زوال العذر وجب أن يلزمهم دخولها، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون المراد من مصر سواها. فإن قيل : هذه الوجوه ضعيفة. أما الأول : فلأن قوله :﴿ادْخُلُوا الارْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ أمر والأمر للندب فلعلهم ندبوا إلى دخول الأرض المقدسة مع أنهم ما منعوا من دخول مصر، أما الثاني : فهو كقوله :﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ فذلك يدل على دوام تلك الندبية. وأما الثالث : وهو قوله تعالى :﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى ا أَدْبَارِكُمْ﴾ فلا نسلم أن معناه ولا ترجعوا إلى مصر بل فيه وجهان آخران. الأول : المراد لا تعصوا فيما أمرتم به إذ العرب تقول لمن عصى فيما يؤمر به : ارتد على عقبه. والمراد من هذا العصيان أن ينكر أن يكون دخول الأرض المقدسة أولى. الثاني : أن يخصص ذلك النهي بوقت معين فقط. قلنا : ثبت في أصول الفقه أن ظاهر الأمر للوجوب فيتم دليلنا بناء على هذا الأصل، وأيضاً فهب أنه للندب ولكن الإذن في تركه يكون إذناً في ترك المندوب، وذلك لا يليق بالأنبياء. قوله : لا نسلم أن المراد من قوله :﴿وَلا تَرْتَدُّوا ﴾ لا ترجعوا. قلنا : الدليل عليه أنه لما أمر بدخول الأرض المقدسة، ثم قال بعده :﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى ا أَدْبَارِكُمْ﴾ تبادر إلى الفهم أن هذا النهي يرجع إلى ما تعلق به ذلك الأمر. قوله : أن يخصص ذلك النهي بوقت معين، قلنا : التخصيص خلاف الظاهر، أما أبو مسلم الأصفهاني فإنه جوز أن يكون المراد مصر فرعون واحتج عليه بوجهين. الأول : أنا إن قرأنا :﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ بغير تنوين كان لا محالة علماً لبلد معين وليس في العالم بلدة ملقبة بهذا اللقب سوى هذه البلدة المعينة فوجب حمل اللفظ عليه ولأن اللفظ إذا دار بين كونه علماً وبين كونه صفة فحمله على العلم أولى من حمله على الصفة مثل ظالم وحادث/ فإنهما لما جاءا علمين كان حملهما على العلمية أولى. أما إن قرأناه بالتنوين فإما أن نجعله مع ذلك اسم علم ونقول : إنه إنما دخل فيه التنوين لسكون وسطه كما في نوح ولوط فيكون التقرير أيضاً ما تقدم بعينه، وأما إن جعلناه اسم جنس فقوله تعالى :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٢٢
﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ يقتضي التخيير كما إذ قال : أعتق رقبة فإنه يقتضي التخيير بين جميع رقاب الدنيا. الوجه الثاني : أن الله تعالى ورث بني إسرائيل أرض مصر وإذا كانت موروثة لهم امتنع أن يحرم عليهم دخولها بيان أنها موروثة لهم، قوله تعالى :﴿فَأَخْرَجْنَـاهُم مِّن جَنَّـاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ إلى قوله :﴿كَذَالِكَ وَأَوْرَثْنَـاهَا بَنِى إسرائيل ﴾ (الشعراء : ٥٧ ـ ٥٩) ولما ثبت أنها موروثة لهم وجب أن لا يكونوا ممنوعين من دخولها / لأن الإرث يفيد الملك والملك مطلق للتصرف. فإن قيل : الرجل قد يكون مالكاً للدار وإن كان ممنوعاً عن دخولها بوجه آخر، كحال من أوجب على نفسه اعتكاف أيام في المسجد، فإن داره وإن كانت مملوكة له لكنه يحرم عليه دخولها، فلم لا يجوز أن يقال : إن الله ورثهم مصر بمعنى الولاية والتصرف فيها، ثم إنه تعالى حرم عليهم دخولها من حيث أوجب عليهم أن يسكنوا الأرض المقدسة بقوله :﴿ادْخُلُوا الارْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ قلنا الأصل أن الملك مطلق للتصرف والمنع من التصرف خلاف الدليل، أجاب الفريق الأول عن هاتين الحجتين اللتين ذكرهما أبو مسلم فقالوا : أما الوجه الأول فالجواب عنه أنا نتمسك بالقراءة المشهورة وهي التي فيها التنوين. قوله : هذه القراءة تقتضي التخيير، قلنا : نعم لكنا نخصص العموم في حق هذه البلدة المعينة بما ذكرناه من الدليل.
أما الوجه الثاني : فالجواب عنه أنا لا ننازع في أن الملك مطلق للتصرف ولكن قد يترك هذا الأصل لعارض كالمرهون والمستأجر، فنحن تركنا هذا الأصل لما قدمناه من الدلالة.
أما قوله تعالى :﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ فالمعنى جعلت الذلة محيطة بهم حتى مشتملة عليهم فهم فيها كمن يكون في القبة المضروبة أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازم كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه والأقرب في الذلة أن يكون المراد منها ما يجري مجرى الاستحقاق كقوله تعالى فيمن يحارب ويفسد :﴿ذَالِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا ﴾ فأما من يقول المراد به الجزية خاصة على ما قال تعالى :﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـاغِرُونَ﴾ (التوبة : ٢٩) فقوله بعيد لأن الجزية ما كانت مضروبة عليهم من أول الأمر.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٢٢
أما قوله تعالى :﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ فالمراد به الفقر والفاقة وتشديد المحنة، فهذا الجنس يجوز أن يكون كالعقوبة، ومن العلماء من عد هذا من باب المعجزات لأنه عليه السلام أخبر عن ضرب الذلة والمسكنة عليهم ووقع الأمر كذلك فكان هذا إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً.