المسألة الأولى : وأديئد مقلوب من آد يئود أوداً ثقل قال تعالى :﴿وَلا نَوْمٌا لَّه ﴾ (البقرة : ٢٥٥) أي يثقله ؛ لأنه إثقال بالتراب كان الرجل إذا ولدت له بنت فأراد بقاء حياتها ألبسها جبة من صوف أو شعر لترعى له الإبل والغنم في البادية، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا بلغت قامتها ستة أشبار فيقول لأمها طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أقاربها وقد حفر لها بئراً في الصحراء فيبلغ بها إلى البئر فيقول لها انظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى يستوي البئر بالأرض، وقيل : كانت الحامل إذا قربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة فإذا ولدت بنت رمتها في الحفرة، وإذا ولدت ابناً أمسكته، وههنا سؤالان :
السؤال الأول : ما الذي حملهم على وأد البنات ؟
الجواب : الخوف من لحوق العار بهم من أجلهم أو الخوف من الإملاق، كما قال تعالى :﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـاقٍ ﴾ (الإسراء : ٣١) وكانوا يقولون : إن الملائكة بنات الله فألحقوا البنات بالملائكة، وكان صعصعة بن ناجية ممن منع الوأد فافتخر الفرزدق به في قوله :
ومنا الذي منع الوائدات
فأحيا الوئيد فلم توأد
السؤال الثاني : فما معنى المؤودة عن ذنبها الذي قتلت به، وهلا سئل الوائد عن موجب قتله لها ؟
الجواب : سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها، وهو كتبكيت النصارى في قوله / لعيسى :﴿قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـاهَيْنِ مِن دُونِ اللَّه قَالَ سُبْحَـانَكَ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّا إِن﴾ (المائدة : ١١٦).
المسألة الثانية : قرىء سألت، أي خاصمت عن نفسها، وسألت الله أو قاتلها، وقرىء قتلت بالتشديد، فإن قيل : اللفظ المطابق أن يقال :﴿سُـاـاِلَتْ * بِأَىِّ ذَنابٍ قُتِلَتْ﴾ ومن قرأ سألت فالمطابق أن يقرأ :﴿بِأَىِّ ذَنابٍ قُتِلَتْ﴾ فما الوجه في القراءة المشهورة ؟
قلنا : الجواب : من وجهين الأول : تقدير الآية : وإذا الموؤودة سئلت (أي سئل) الوائدون عن أحوالها بأي ذنب قتلت والثاني : أن الإنسان قد يسأل عن حال نفسه عند المعاينة بلفظ المغايبة، كما إذا أردت أن تسأل زيداً عن حال من أحواله، فتقول : ماذا فعل زيد في ذلك المعنى ؟
ويكون زيد هو المسئول، وهو المسئول عنه، فكذا ههنا. التاسع : قوله تعالى :
جزء : ٣١ رقم الصفحة : ٦٩
قرىء بالتخفيف والتشديد يريد صحف الأعمال تطوى صحيفة الإنسان عند موته، ثم تنشر إذا حوسب، ويجوز أن يراد نشرت بين أصحابها، أي فرقت بينهم. العاشر : قوله تعالى :
أي كشفت وأزيلت عما فوقها، وهو الجنة وعرش الله، كما يكشط الإهاب عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء، وقرأ ابن مسعود : قشطت، واعتقاب القاف والكاف كثير، يقال لبكت الثريد ولبقته، والكافور والقافور. قال الفراء : نزعت فطويت.
الحادي عشر : قوله تعالى :
أوقدت إيقاداً شديداً وقرىء سعرت بالتشديد للمبالغة، قيل : سعرها غضب الله، وخطايا بني آدم، واحتج بهذه الآية من قال : النار غير مخلوقة الآن، قالوا : لأنها تدل على أن تسعيرها معلق بيوم القيامة. الثاني عشر : قوله تعالى :
أي أدنيت من المتقين، كقوله :﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. ولما ذكر الله تعالى هذه الأمور الإثني عشر ذكر الجزاء المرتب على الشروط الذي هو مجموع هذه الأشياء فقال :
ومن المعلوم أن العمل لا يمكن إحضاره، فالمراد إذن ما أحضرته في صحائفها، وما أحضرته عند المحاسبة، وعند الميزان من آثار تلك الأعمال، والمراد : ما أحضرت من استحقاق الجنة والنار فإن قيل كل نفس تعلم ما أحضرت، لقوله / :﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾ (آل عمران : ٣٠) فما معنى قوله :﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ ؟
قلنا : الجواب : من وجهين الأول : أن هذا هو من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط، وإن كان اللفظ موضوعاً للقليل، ومنه قوله تعالى :﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ (الحجر : ٢) كمن يسأل فاضلاً مسألة ظاهرة ويقول : هل عندك فيها شيء ؟
فيقول : ربما حضر شيء وغرضه الإشارة إلى أن عنده في تلك المسألة ما لا يقول به غيره. فكذا ههنا الثاني : لعل الكفار كانوا يتعبون أنفسهم في الأشياء التي يعتقدونها طاعات ثم بدا لهم يوم القيامة خلاف ذلك فهو المراد من هذه الآية. قوله تعالى :
جزء : ٣١ رقم الصفحة : ٦٩


الصفحة التالية
Icon