المسألة الثالثة : قوله تعالى :﴿مِّنا بَعْدِ ذَالِكَ ﴾ يحتمل أن يكون المراد من بعد ما أظهره الله تعالى من إحياء ذلك القتيل عند ضربه ببعض البقرة المذبوحة حتى عين القاتل، فإنه روي أن ذلك القتيل لما عين القاتل نسبه القاتل إلى الكذب وما ترك الإنكار، بل طلب الفتنة وساعده عليه جمع، فعنده قال تعالى واصفاً لهم : إنهم بعد ظهور مثل هذه الآية قست قلوبهم، أي صارت قلوبهم بعد ظهور مثل هذه الآية في القسوة كالحجارة ويحتمل أن يكون قوله :﴿مِّنا بَعْدِ ذَالِكَ ﴾ إشارة إلى جميع ما عدد الله سبحانه من النعم العظيمة والآيات الباهرة التي أظهرها على يد موسى عليه السلام، فإن أولئك اليهود بعد أن كثرت مشاهدتهم لها ما خلوا من العناد والاعتراض على موسى عليه السلام وذلك بين في أخبارهم في التيه لمن نظر فيها.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٤٣
أما قوله تعالى :﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ فيه مسائل.
المسألة الأولى : كلمة "أو" للترديد وهي لا تليق بعلام الغيوب، فلا بد من التأويل وهو وجوه. أحدها : أنها بمعنى الواو كقوله تعالى :﴿إِلَى مِا ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (الصافات : ١٤٧) بمعنى ويزيدون، وكقوله تعالى :﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ (النور : ٣١) والمعنى وآبائهن وكقوله :﴿لَّيْسَ عَلَى الاعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الاعْرَجِ﴾ (النور : ٦١) يعني وبيوت آبائكم. ومن نظائره قوله تعالى :﴿لَّعَلَّه يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ (طه : ٤٤)، فالملقيات ذكراً عذراً أو نذراً} (المرسلات : ٥، ٦). وثانيها : أنه تعالى أراد أن يبهمه على العباد فقال ذلك كما يقول المرء لغيره : أكلت خبزاً أو تمراً وهو لا يشك أنه أكل أحدهما إذا أراد أن يبينه لصاحبه. وثالثها : أن يكون المراد فهي كالحجارة، ومنها ما هو أشد قسوة من الحجارة، ورابعها : أن الآدميين إذا / اطلعوا على أحوال قلوبهم قالوا : إنها كالحجارة أو هي أشد قسوة من الحجارة وهو المراد في قوله :(المرسلات : ٥، ٦). وثانيها : أنه تعالى أراد أن يبهمه على العباد فقال ذلك كما يقول المرء لغيره : أكلت خبزاً أو تمراً وهو لا يشك أنه أكل أحدهما إذا أراد أن يبينه لصاحبه. وثالثها : أن يكون المراد فهي كالحجارة، ومنها ما هو أشد قسوة من الحجارة، ورابعها : أن الآدميين إذا / اطلعوا على أحوال قلوبهم قالوا : إنها كالحجارة أو هي أشد قسوة من الحجارة وهو المراد في قوله :﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴾ (النجم : ٩) أي في نظركم واعتقادكم. وخامسها : أن كلمة "أو" بمعنى بل وأنشدوا :
فوالله ما أدري أسلمى تغولت
أم القوم أو كل إلي حبيب
قالوا : أراد بل كل. وسادسها : أنه على حد قولك ما آكل إلا حلواً أو حامضاً أي طعامي لا يخرج عن هذين، بل يتردد عليهما، وبالجملة : فليس الغرض إيقاع التردد بينهما، بل نفي غيرهما. وسابعها : أن "أو" حرف إباحة كأنه قيل بأي هذين شبهت قلوبهم كان صدقاً كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين أي أيهما جالست كنت مصيباً ولو جالستهما معاً كنت مصيباً أيضاً.
المسألة الثانية : قال صاحب "الكشاف" :"أشد" معطوف على الكاف، إما على معنى أو مثل :"أشد قسوة" فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وإما على أو هي أنفسها أشد قسوة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٤٣
المسألة الثالثة : إنما وصفها بأنها أشد قسوة لوجوه. أحدها : أن الحجارة لو كانت عاقلة ولقيتها هذه الآية لقبلنها كما قال :﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـاذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَه خَـاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّه ﴾ (الحشر : ٢١). وثانيها : أن الحجارة ليس فيها امتناع مما يحدث فيها بأمر الله تعالى وإن كانت قاسية بل هي منصرفة على مراد الله غير ممتنعة من تسخيره، وهؤلاء مع ما وصفنا من أحوالهم في اتصال الآيات عندهم وتتابع النعم من الله عليهم يمتنعون من طاعته ولا تلين قلوبهم لمعرفة حقه وهو كقوله تعالى :﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى الارْضِ وَلا طَـا اـاِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (الأنعام : ٣٨) إلى قوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِـاَايَـاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِى الظُّلُمَـاتِ ﴾ (الأنعام : ٣٩) كأن المعنى أن الحيوانات من غير بني آدم أمم سخر كل واحد منها لشيء وهو منقاد لما أريد منه وهؤلاء الكفار يمتنعون عما أراد الله منهم. وثالثها : أو أشد قسوة، لأن الأحجار ينتفع بها من بعض الوجوه، ويظهر منها الماء في بعض الأحوال، أما قلوب هؤلاء فلا نفع فيها ألبتة ولا تلين لطاعة الله بوجه من الوجوه.