المسألة الرابعة : قال القاضي : إن كان تعالى هو الخالق فيهم الدوام على ما هم عليه من الكفر، فكيف يحسن ذمهم بهذه الطريقة ولو أن موسى عليه السلام خاطبهم فقالوا له : إن الذي خلق الصلابة في الحجارة هو الذي خلق في قلوبنا القسوة والخالق في الحجارة انفجار الأنهار هو القادر على أن ينقلنا عما نحن عليه من الكفر بخلق الإيمان فينا، فإذا لم يفعل فعذرنا ظاهر لكانت حجتهم عليه أوكد من حجته عليهم، وهذا النمط من الكلام قد تقدم تقريراً وتفريعاً مراراً وأطواراً.
المسألة الخامسة : إنما قال :﴿أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ ولم يقل أقسى/ لأن ذلك أدل على فرط القسوة ووجه آخر وهو أن لا يقصد معنى الأقسى، ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل : اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة، وقرىء "قساوة" وترك ضمير المفضل عليه لعدم الالباس / كقولك : زيد كريم وعمرو أكرم. ثم إنه سبحانه وتعالى فضل الحجارة على قلوبهم بأن بين أن الحجارة قد يحصل منها ثلاثة أنواع من المنافع، ولا يوجد في قلوب هؤلاء شيء من المنافع. فأولها : قوله تعالى :﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الانْهَـارُ ﴾ وفيه مسائل :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٤٣
المسألة الأولى : قرىء :"وإن" بالتخفيف وهي إن المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة، ومنها قوله تعالى :﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ (يس : ٣٢).
المسألة الثانية : التفجر التفتح بالسعة والكثرة، يقال : انفجرت قرحة فلان، أي انشقت بالمدة ومنه الفجر والفجور. وقرأ مالك بن دينار "ينفجر" بمعنى وإن من الحجارة ما ينشق فيخرج منه الماء الذي يجري حتى تكون منه الأنهار. قالت الحكماء : إن الأنهار إنما تتولد عن أبخرة تجتمع في باطن الأرض، فإن كان ظاهر الأرض رخواً انشقت تلك الأبخرة وانفصلت، وإن كان ظاهر الأرض صلباً حجرياً اجتمعت تلك الأبخرة، ولا يزال يتصل تواليها بسوابقها حتى تكثر كثرة عظيمة فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مدها أن تنشق الأرض وتسيل تلك المياه أودية وأنهاراً. وثانيها : قوله تعالى :﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ ﴾، أي من الحجارة لما ينصدع فيخرج منه الماء فيكون عيناً لا نهراً جارياً، أي أن الحجارة قد تندى بالماء الكثير وبالماء القليل، وفي ذلك دليل تفاوت الرطوبة فيها، وأنها قد تكثر في حال حتى يخرج منها ما يجري منه الأنهار، وقد تقل، وهؤلاء قلوبهم في نهاية الصلابة لا تندى بقبول شيء من المواعظ ولا تنشرح لذلك ولا تتوجه إلى الاهتداء وقوله تعالى :﴿يَشَّقَّقُ﴾ أي يتشقق، فأدغم التاء كقوله :﴿يَذَّكَّرُ﴾ أي يتذكر وقوله :﴿عَدَدَا * يَـا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (المزمل : ١)، يا أيها المدثر} (المدثر : ١). وثالثها : قوله تعالى :(المدثر : ١). وثالثها : قوله تعالى :﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّه ﴾.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٤٣


الصفحة التالية
Icon