﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ﴾ يقتضي أن الفجور هي العلة، وإذا ثبت ذلك لزم عموم الحكم لعموم علته وهو المطلوب، وفي هذا الباب طريقة ثالثة يذكرها النحويون وهي أن اللام في قوله :﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾ ليست لام تعريف، بل هي بمعنى الذي، ويدل عليه وجهان. أحدهما : أنها تجاب بالفاء كقوله تعالى :﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة : ٣٨)، وكما تقول الذي يلقاني فله درهم. الثاني : أنه يصح عطف الفعل على الشيء الذي دخلت هذه اللام عليه قال تعالى :﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَـاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (الحديد : ١٨) فلولا أن قوله :﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ﴾ بمعنى : إن الذين أصدقوا لما صح أن يعطف عليه قوله :﴿وَأَقْرِضُواُ اللَّهَ﴾ وإذا ثبت ذلك كان قوله :﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ﴾ معناه : إن الذين فجروا فهم في الجحيم، وذلك يفيد العموم. الآية الثانية في هذا الباب : قوله تعالى :﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَـن ِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ (مريم : ٨٥، ٨٦) ولفظ المجرمين صيغة جمع معرفة بالألف واللام / وثالثها : قوله تعالى :﴿وَّنَذَرُ الظَّـالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (مريم : ٧٢) ورابعها : قوله تعالى :﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَـاكِن يُؤَخِّرُهُمْ﴾ (النحل : ٦١) بين أنه يؤخر عقابهم إلى يوم آخر وذلك إنما يصدق أن لو حصل عقابهم في ذلك اليوم.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٦٨
النوع الثالث : من العمومات : صيغ الجموع المقرونة بحرف الذي، فأحدها : قوله تعالى :﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ (المطففين : ١، ٢). وثانيها : قوله تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَـامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا ﴾ (النساء : ١٠). وثالثها : قوله تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّـاـاهُمُ الْمَلَـا ئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ﴾ (النحل : ٢٨) فبين ما يستحق على ترك الهجرة وترك النصرة وإن كان معترفاً بالله ورسوله. ورابعها : قوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةا بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾ (يونس : ٢٧) ولم يفصل في الوعيد بين الكافر وغيره، وخامسها : قوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة : ٣٤). وسادسها ؛ قوله تعالى :﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّـاَاتِ﴾ (النساء : ١٨) ولو لم يكن الفاسق من أهل الوعيد والعذاب لم يكن لهذا القول معنى، بل لم يكن به إلى التوبة حاجة، وسابعها : قوله تعالى :﴿إِنَّمَا جَزَا ؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه وَيَسْعَوْنَ فِى الارْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ﴾ (المائدة : ٣٣) فبين ما على الفاسق من العذاب في الدنيا والآخرة، وثامنها : قوله تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَـانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أولئك لا خَلَـاقَ لَهُمْ فِى الاخِرَةِ﴾ (آل عمران : ٧٧).
النواع الرابع : من العمومات، قوله تعالى :﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِه يَوْمَ الْقِيَـامَةِ ﴾ (آل عمران : ١٨٠) توعد على منع الزكاة.
النوع الخامس من العمومات : لفظة "كل" وهو قوله تعالى :﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى الارْضِ افْتَدَتْ بِه ﴾ (يونس : ٥٤) فبين ما يستحق الظالم على ظلمه.
النوع السادس : ما يدل على أنه سبحانه لا بد وأن يفعل ما توعدهم به وهو قوله تعالى :﴿قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَآ أَنَا بِظَلَّـامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (ق : ٢٨، ٢٩) بين أنه لا يبدل قوله في الوعيد والاستدلال بالآية من وجهين. أحدهما : أنه تعالى جعل العلة في إزاحة العذر تقديم الوعيد، أي بعد تقديم الوعيد لم يبق لأحد علة ولا مخلص من عذابه، والثاني : قوله تعالى :﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ﴾ وهذا صريح في أنه تعالى لا بد وأن يفعل ما دل اللفظ عليه، فهذا مجموع ما تمسكوا به من عمومات القرآن. أما عمومات الأخبار فكثيرة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٦٨


الصفحة التالية
Icon