أما قوله : إن هذا ليس من قول الكفار قلنا : لا نسلم، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون : ما نزل الله من شيء على محمد، وإذا كان كذلك فقد صدق عليهم أنهم كانوا يقولون ما نزل الله من شيء. السادس : قوله تعالى :﴿وَهَلْ نُجَـازِى إِلا الْكَفُورَ﴾ (سبأ : ١٧) وهذا بناء المبالغة فوجب أن يختص بالكفر الأصلي. السابع : أنه تعالى بعدما أخبر أن الناس صنفان : بيض الوجوه وسودهم قال :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ (آل عمران : ١٠٦) فذكر أنهم الكفار. والثامن : أنه تعالى بعدما جعل الناس ثلاثة أصناف، السابقون وأصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، بين أن السابقين وأصحاب الميمنة في الجنة وأصحاب المشأمة في النار، ثم بين أنهم كفار بقوله :﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَاـاِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَـامًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (الواقعة : ٤٧). التاسع : إن صاحب الكبيرة لا يخزى وكل من أدخل النار فإنه يخزى فإذن صاحب الكبيرة لا يدخل النار وإنما قلنا إن صاحب الكبيرة / لا يخزى لأن صاحب الكبيرة مؤمن والمؤمن لا يخزى، وإنما قلنا : إنه مؤمن لما سبق بيانه في تفسير قوله :﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة : ٣) من أن صاحب الكبيرة مؤمن، وإنما قلنا : إن المؤمن لا يخزى لوجوه. أحدها : قوله تعالى :﴿ يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ﴾ (التحريم : ٨). وثانيها : قوله :﴿إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ وَالسُّواءَ عَلَى الْكَـافِرِينَ﴾ (النحل : ٢٧). وثالثها : قوله تعالى :﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَـامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (آل عمران : ١٩١) إلى أن حكى عنهم أنهم قالوا :﴿وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَـامَةِ ﴾ (آل عمران : ١٩٤)، ثم إنه تعالى قال :﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ (آل عمران : ١٩٥) ومعلوم أن الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض يدخل فيه العاصي والزاني وشارب الخمر، فلما حكى الله عنهم أنهم قالوا :﴿وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَـامَةِ ﴾
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٦٨
ثم بين أنه تعالى استجاب لهم في ذلك ثبت أنه تعالى لا يخزيهم/ فثبت بما ذكرنا أنه تعالى لا يخزي عصاة أهل القبلة، وإنما قلنا : إن كل من أدخل النار فقد أخزي لقوله تعالى :﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَه ﴾ (آل عمران : ١٩٢)، فثبت بمجموع هاتين المقدمتين أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار. العاشر : العمومات الكثيرة الواردة في الوعد نحو قوله :﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أولئك عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِم وَ أولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة : ٤ ـ ٥)، فحكم بالفلاح على كل من آمن، وقال :﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَـارَى وَالصَّـابِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ وَعَمِلَ صَـالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا﴾ (البقرة : ٦٢). فقوله :﴿وَعَمِلَ صَـالِحًا﴾ نكرة في الإثبات فيكفي فيه الإثبات بعمل واحد وقال :﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّـالِحَـاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَ أولئك يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ (النساء : ١٢٤) وإنها كثيرة جداً، ولنا فيه رسالة مفردة من أرادها فليطالع تلك الرسالة. والجواب عن هذه الوجوه : أنها معارضة بعمومات الوعيد، والكلام في تفسير كل واحد من هذه الآيات يجيء في موضعه إن شاء الله تعالى، أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض وتوقفوا في البعض فقد احتجوا من القرآن بآيات. الحجة الأولى : الآيات الدالة على كون الله تعالى عفواً غفوراً كقوله تعالى :﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِه وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّـاَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الشورى : ٢٥) وقوله تعالى :﴿وَمَآ أَصَـابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى : ٣٠) وقوله :﴿وَمِنْ ءَايَـاتِهِ الْجَوَارِ فِى الْبَحْرِ كَالاعْلَـامِ﴾ (الشورى : ٣٢) إلى قوله :﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى : ٣٤) وأيضاً أجمعت الأمة على أن الله يعفو عن عباده وأجمعوا على أن من جملة أسمائه العفو فنقول : العفو إما أن يكون عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه أو عمن لا يحسن عقابه، وهذا القسم الثاني باطل، لأن عقاب من لا يحسن عقابه قبيح، ومن ترك مثل هذا الفعل لا يقال : إنه عفا، ألا ترى أن الإنسان إذا لم يظلم أحداً لا يقال : أنه عفا عنع، إنما يقال له : عفا إذا كان له أن يعذبه فتركه ولهذا قال :


الصفحة التالية
Icon