المسألة التاسعة : لما دلت الآية على وجوب الاستقبال، وثبت بالعقل أنه لا سبيل إلى الاستقبال إلى الجهات إلا بالاجتهاد، وثبت بالعقل أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لزم القطع بوجوب الاجتهاد والاجهاد لا بد وأن يكون مبنياً على الظن، فكانت الآية دالة على التكليف بالظن، فثبت بهذا أن التكليف بالظن واقع في الجملة وقد استدل الشافعي رضي الله عنه بذلك على أن القياس حجة في الشرع وهو ضعيف لأنه إثبات للقياس بالقياس وذلك لا سبيل إليه والله أعلم.
المسألة العاشرة : الظاهر أنه لا يجب نية استقبال القبلة لأن الآية دلت على وجوب الاستقبال والآتي به آت بما دلت الآية عليه، فوجب أن لا يجب عليه نية أخرى، كما في ستر العورة وطهارة المكان والثوب.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٩٤
المسألة الحادية عشرة : استقبال القبلة ساقط عند قيام العذر كما في حال المسايفة، ويلحق به الخوف على النفس من العدو، أو من السبع، أو من الجمل الصائل، أو عند الخطأ في القبلة بسبب التيامن والتياسر، أو في أداء النوافل، وهذا يقتضي أن العاجز عن تحصيل العلم والظن إذا أدى الصلاة أن يسقط عنه القضاء، وكذا المجتهد إذا بان له تعين الخطأ.
المسألة الثانية عشرة : إذا توجه إلى جهة ثم تغير اجتهاده وهو في الصلاة فعليه أن ينحرف ويتحول ويبني لأن عارض الاجتهاد لا يبطل السابق، فكذلك فيمن صدق مخبراً، ثم جاء آخر نفسه إليه أسكن فأخبره بخلافه، فهذا ما يتعلق بالمسائل المستنبطة من هذه الآية في حكم الاستقبال والله أعلم.
قوله تعالى :﴿مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه ﴾ فيه مسألتان :
المسألة الأولى : هذا ليس بتكرار، وبيانه من وجهين. أحدهما : أن قوله تعالى :﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ خطاب مع الرسول عليه السلام لا مع الأمة، وقوله :﴿مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه ﴾ خطاب مع الكل. وثانيهما : أن المراد بالأولى مخاطبتهم وهم بالمدينة خاصة، وقد كان من الجائز لو وقع الاختصار عليه أن يظن أن هذه القبلة قبلة لأهل المدينة خاصة، فبين الله تعالى أنهم أينما حصلوا من بقاع الأرض يجب أن يستقبلوا نحو هذه القبلة.
المسألة الثانية : قوله :﴿مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه ﴾ يعني : وأينما كنتم وموضع (كنتم) من الإعراب جزم بالشرط كأنه قيل : حيثما تكونوا، والفاء جواب.
أما قوله تعالى :﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِم وَمَا اللَّهُ بِغَـافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : المراد بقوله :﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ﴾ اليهود خاصة، والكتاب هو التوراة عن السدي، وقيل : بل المراد أحبار اليهود وعلماء النصارى وهو الصحيح لعموم اللفظ والكتاب المتقدم هو التوراة والإنجيل، ولا بد أن يكونوا عدداً قليلاً لأن الكثير لا يجوز عليهم التواطؤ على الكتمان.
المسألة الثانية : الضمير في قوله :﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ راجع إلى مذكور سابق، وقد تقدم ذكر الرسول كما تقدم ذكر القبلة، فجاز أن يكون المراد أن القوم يعلمون أن الرسول مع شرعه ونبوته حق فيشتمل ذلك على أمر القبلة وغيرها، ويحتمل أن يرجع إلى هذا التكليف الخاص بالقبلة، وأنهم يعلمون أنه الحق، وهذا الاحتمال الأخير أقرب لأنه أليق بالكلام إذ المقصود بالآية ذلك دون غيره، ثم اختلفوا في أنهم كيف عرفوا ذلك ؟
وذكروا فيه وجوهاً. أحدها : أن قوماً من علماء اليهود كانوا عرفوا في كتب أنبيائهم خبر الرسول وخبر القبلة وأنه يصلي إلى القبلتين. وثانيها : أنهم كانوا يعلمون أن الكعبة هي البيت العتيق الذي جعله الله تعالى قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وثالثها : أنهم كانوا يعلمون نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم لما ظهر عليه من المعجزات، ومتى علموا نبوته فقد علموا لا محالة أن كل ما أتى به فهو حق فكان هذا التحويل حقاً.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٩٤
وأما قوله :﴿وَمَا اللَّهُ بِغَـافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ ابن عمار وحمزة والكسائي :﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء على الخطاب للمسلمين، والباقون بالياء على أنه راجع إلى اليهود.
المسألة الثانية : إنا إن جعلناه خطاباً للمسلمين فهو وعد لهم وبشارة أي لا يخفى على جدكم واجتهادهم في قبول الدين، فلا أخل بثوابكم، وإن جعلناه كلاماً مع اليهود فهو وعيد وتهديد لهم، ويحتمل أيضاً أنه ليس بغافل عن مكافأتهم ومجازاتهم وإن لم يعجلها لهم كقوله تعالى :﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَـافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّـالِمُونَا إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الابْصَـارُ﴾ (إبراهيم : ٤٢).
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٩٤
١٠٧