اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن هذه القبلة حق، بين بعد ذلك صفتهم لا تتغير في الاستمرار على المعاندة، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في قوله :﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ﴾ فقال الأصم : المراد علماؤهم الذين أخبر الله تعالى عنهم في الآية المتقدمة بقوله :﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ (البقرة : ١٤٤) واحتج عليه بوجوه. أحدها : قوله :﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم﴾ فوصفهم بأنهم يتبعون الهوى، ومن اعتقد في الباطل أنه حق فإنه لا يكون متبعاً لهوى النفس، بل يكون في ظنه أنه متبع للهدى فأما الذين يعلمون بقلوبهم، ثم ينكرون بألسنتهم، فهم المتبعون للهوى. وثانيها : أن ما قبل هذه الآية وهو قوله :﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ لا يتناول عوامهم بل هو مختص بالعلماء، وما بعدها وهو قوله :﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَـاهُمُ الْكِتَـابَ يَعْرِفُونَه كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ ﴾ (الأنعام : ٢٠) مختص بالعلماء أيضاً إذ لو كان عاماً في الكل امتنع الكتمان لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم الكتمان، وإذا كان ما قبلها وما بعدها خاصاً فكذا هذه الآية المتوسطة. وثالثها : أن الله تعالى أخبر عنهم بأنهم مصرون على قولهم، ومستمرون على باطلهم، وأنهم لا يرجعون عن ذلك المذهب بسبب شيء من الدلائل والآيات، وهذا شأن المعاند اللجوج، لا شأن المعاند المتحير. ورابعها : أنا لو حملناه على العموم لصارت الآية كذباً لأن كثيراً من أهل الكتاب آمن بمحمد صلى الله عليه وسلّم وتبع قبلته.
وقال آخرون : بل المراد جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى، واحتجوا عليه بأن قوله :﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ﴾ صيغة عموم فيتناول الكل، ثم أجابوا عن الحجة الأولى أن صاحب الشبهة صاحب هوى في الحقيقة، لأنه ما تمم النظر والاستدلال فإنه لو أتى بتمام النظر والاستدلال لوصل إلى الحق، فحيث لم يصل إليه علمنا أنه ترك النظر التام بمجرد الهوى، وأجابوا عن الحجة الثانية بأنه ليس يمتنع أن يراد في الآية الأولى بعضهم، وفي الآية الثانية كلهم، وأجابوا عن الحجة الثالثة أن العلماء لما كانوا مصرين على الشبهات، والعوام كانوا مصرين على اتباع أولئك العلماء كان / الإصرار حاصلاً في الكل، وأجابوا عن الحجة الرابعة بأنه تعالى أخبر عنهم أنهم بكليتهم لا يؤمنون، وقولنا : كل اليهود لا يؤمنون مغاير لقولنا إن أحداً منهم لا يؤمن.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ١٠٧
المسألة الثانية : احتج الكعبي بهذه الآية على جواز أن لا يكون في المقدور لطف لبعضهم، قال : لأنه لو حصل في المقدور لهؤلاء لطف، لكان في جملة الآيات ما لو أتاهم به لكانوا يؤمنون، فكان لا يصح هذا الخبر على وجه القطع.
المسألة الثالثة : احتج أبو مسلم بهذه الآية على أن علم الله تعالى في عباده وما يفعلونه ليس بحجة لهم فيما يرتكبون، فإنهم مستطيعون لأن يفعلوا الخير الذي أمروا به ويتركوا ضده الذي نهوا عنه، واحتج أصحابنا به على القول بتكليف ما لا يطاق وهو أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم لا يتبعون قبلته، فلو اتبعوا قبلته لزم انقلاب خبر الله الصدق كذباً وعلمه جهلاً وهو محال/ ومستلزم المحال محال، فكان ذلك محالاً وقد أمروا به فقد أمروا بالمحال وتمام القول فيه مذكور في قوله تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَا ءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة : ٦).
المسألة الرابعة : إنما حكم الله تعالى عليهم بأنهم لا يرجعون عن أباطيلهم بسبب البرهان، وذلك لأن إعراضهم عن قبول هذا الدين ليس عن شبهة يزيلها بإيراد الحجة، بل هو محض المكابرة والعناد والحسد، وذلك لا يزول بإيراد الدلائل.
المسألة الخامسة : اختلفوا في قوله :﴿مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾ قال الحسن والجبائي : أراد جميعهم، كأنه قال : لا يجتمعون على اتباع قبلتك، على نحو قوله :﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى ﴾ (الأنعام : ٣٥) وقال الأصم وغيره : بل المراد أن أحداً منهم لا يؤمن، قال القاضي : إن أريد بأهل الكتاب كلهم العلماء منهم والعوام فلا بد من تأويل الحسن، وإن أريد به العلماء نظرنا فإن كان في علمائهم المخاطبين بهذه الآية من قد آمن وجب أيضاً ذلك التأويل، وإن لم يكن فيهم من قد آمن صح إجراؤه على ظاهره في رجوع النفي إلى كل واحد منهم، لأن ذلك أليق بالظاهر إذ لا فرق بين قوله :﴿مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾ وبين قوله : ما تبع أحد منهم قبلتك.


الصفحة التالية
Icon