﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِه ﴾ (انعام : ٩١) ثم أخذ يمجد الله نفسه : أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا العزيز أنا الكريم، فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلّم المنبر حتى خفنا سقوطه. الخبر الثامن : عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : التقى آدم وموسى عليهما السلام فقال له موسى : أنت الذي أشقيت الناس فأخرجتهم من الجنة، قال آدم : أنت الذي اصطفاك الله برسالته، واصطنعك لنفسه، وأنزل عليك التوراة، فهل وجدت كتبته على قبل أن يخلقني ؟
قال : نعم، قال فحج آدم موسى ثلاث مرات" الخبر التاسع : عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :"يقول الله تعالى : هذا دين ارتضيته لنفسي، ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق، فأكرموه بهما". الخبر العاشر : عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلّم يرويه عن ربه أنه قال :"من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، فلا أبالي في أي وادٍ من الدنيا أهلكه، وأقذفه في جهنم، وما ترددت في نفسي في قضاء شيء قضيت ترددي في قبض عبدي المؤمن ؛ يكره الموت ولا بدّ له منه وأكره مساءته". الخبر الحادي عشر : عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : ما قال عبد قط إذا أصابه هم أو حزن : اللهم إني عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ـ أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكان حزنه فرحاً". الخبر الثاني عشر : عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال : إن الله تعالى بعثني رحمة للعالمين وأن أكسر المعازف والأصنام، وأقسم ربي على نفسه أن لا يشرب عبد خمراً ثم لم يتب إلى الله تعالى منه إلا سقاه الله تعالى من طينة الخبال" فقال : قلت : يا رسول الله، وما طينة الخبال ؟
قال :"صديد أهل جهنم".
نفس الشيء ذاته وحقيقته :
واعلم أن النفس عبارة عن ذات الشيء، وحقيقته ؛ وهويته، وليس عبارة عن الجسم المركب من الأجزاء، لأن كل جسم مركب، وكل مركب ممكن، وكل ممكن محدث، وذلك / على الله محال فوجب حمل لفظ النفس على ما ذكرناه.
المسألة الخامسة : في لفظ الشخص، عن سعد بن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال :"لا شخص أغير من الله، ومن أجل غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدح من الله".
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
واعلم أنه لا يمكن أن يكون المراد من الشخص الجسم الذي له تشخص وحجمية، بل المراد منه الذات المخصوصة والحقيقة المعينة في نفسها تعيناً باعتباره يمتاز عن غيره.
هل يقال لله "النور" :
المسألة السادسة : في أنه هل يجوز إطلاق لفظ النور على الله، قال الله تعالى :﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ ﴾ (النور : ٣٥) وأما الأخبار فروى أنه قيل لعبد الله بن عمر : نقل عنك أنك تقول الشقي من شقي في بطن أمه، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول :"إن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور شيء فقد اهتدى، ومن أخطأ فقد ضل" فلذلك أقول : جف القلم على علم الله تعالى.
واعلم أن القول بأن الله تعالى هو هذا النور أو من جنسه قول باطل، ويدل عليه وجوه : الأول : أن النور إما أن يكون جسماً أو كيفية في جسم، والجسم محدث فكيفياته أيضاً محدثة، وجل الإله عن أن يكون محدثاً. الثاني : أن النور تضاده الظلمة، والإله منزه عن أن يكون له ضد. الثالث : أن النور يزول ويحصل له أفول، والله منزه عن الأفول والزوال، وأما قوله تعالى :﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ ﴾ فجوابه أن هذه الآية من المتشابهات، والدليل عليه ما ذكرناه من الدلائل العقلية، وأيضاً فإنه تعالى قال عقيب هذه الآية ﴿مَثَلُ نُورِه ﴾ (النور : ٣٥) فأضاف النور إلى نفسه إضافة الملك إلى مالكه، فهذا يدل على أنه في ذاته ليس بنور، بل هو خالق النور.