أما قوله تعالى :﴿كَمَا عَلَّمَكُم﴾ فبيان إنعامه علينا بالتعليم والتعريف، وأن ذلك من نعمه تعالى، ولولا هدايته لم نصل إلى ذلك، ثم إن إصحابنا فسروا هذا التعليم بخلق العلم والمعتزلة فسروه بوضع الدلائل، وفعل الألطاف، وقوله تعالى :﴿مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ إشارة إلى ما قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلّم من زمان الجهالة والضلالة.
الحكم السابع عشر
الوفاة
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٤٨٨
٤٩١
فيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿وَصِيَّةً﴾ بالرفع، والباقون بالنصب، أما الرفع ففيه أقوال الأول : أن قوله :﴿وَصِيَّةً﴾ مبتدأ وقوله :﴿لازْوَاجِهِم﴾ خبر، وحسن الابتداء بالنكرة، لأنها متخصصة بسبب تخصيص الموضع، كما حسن قوله : سلام عليكم، وخبر بين يدي والثاني : أن يكون قوله :﴿وَصِيَّةً لازْوَاجِهِم﴾ مبتدأ، ويضمر له خبر، والتقدير فعليهم وصية لأزواجهم، ونظيره قوله :﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (البقرة : ٢٣٧)، ﴿فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ﴾ (النساء : ٩٢)، ﴿فَصِيَامُ ثَلَـاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (المائدة : ٨٩) والثالث : تقدير الآية : الأمر وصية، أو المفروض، أو الحكم وصية، وعلى هذا الوجه أضمرنا المبتدأ والرابع : تقدير الآية : كتب عليكم وصية والخامس : تقديره : ليكون منكم وصية والسادس : تقدير الآية : ووصية الذين يتوفون منكم وصية إلى الحول، وكل هذه الوجوه جائزة حسنة، وأما قراءة النصب ففيها وجوه الأول : تقدير الآية فليوصوا وصية والثاني : تقديرها : توصون وصية، كقولك : إنما أنت سير البريد أي تسير سير البريد الثالث : تقديرها : ألزم الذين يتوفون وصية.
أما قوله تعالى :﴿مَّتَـاعًا﴾ ففيه وجوه الأول : أن يكون على معنى : متعوهن متاعاً، فيكون التقدير : فليوصوا لهن وصية، وليمتعوهن متاعاً الثاني : أن يكون التقدير : جعل الله لهن ذلك متاعاً لأن ما قبل الكلام يدل على هذا الثالث : أنه نصب على الحال.
أما قوله :﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ ففيه قولان الأول : أنه نصب بوقوعه موقع الحال كأنه قال : متعوهن مقيمات غير مخرجات والثاني : انتصب بنزع الخافض، أراد من غير إخراج.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٤٩١
المسألة الثانية : في هذه الآية ثلاثة أقوال الأول : وهو اختيار جمهور المفسرين، أنها منسوخة، قالوا : كان الحكم في ابتداء الإسلام أنه إذا مات الرجل لم يكن لامرأته من ميراثه شيء إلا النفقة والسكنى سنة، وكان الحول عزيمة عليها في الصبر عن التزوج، ولكنها كانت مخيرة في أن تعتد إن شاءت في بيت الزوج، وإن شاءت خرجت قبل الحول، لكنها متى خرجت سقطت نفقتها، هذا جملة ما في هذه الآية، لأنا إن قرأنا ﴿وَصِيَّةً﴾ بالرفع، كان المعنى : فعليهم وصية، وإن قرأناها بالنصب، كان المعنى : فليوصوا وصية، وعلى القراءتين هذه الوصية واجبة، ثم إن هذه الوصية صارت مفسرة بأمرين أحدهما : المتاع والنفقة إلى الحول والثاني : السكنى إلى الحول، ثم أنزل تعالى أنهن إن خرجن فلا جناح عليكم في ذلك، فثبت أن هذه الآية توجب أمرين أحدهما : وجوب النفقة والسكنى من مال الزوج سنة والثاني : وجوب الاعتداد سنة، لأن وجوب السكنى والنفقة من مال الميت سنة توجب المنع من التزوج بزوج آخر في هذه السنة، ثم إن الله تعالى نسخ هذين الحكمين، أما الوصية بالنفقة والسكنى فلأن القرآن دل على ثبوت الميراث لها، والسنة دلت على أنه لا وصية لوارث، فصار مجموع القرآن والسنة ناسخاً للوصية للزوجة بالنفقة والسكنى في الحول، وأما وجوب العدة في الحول فهو منسوخ بقوله :﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ (البقرة : ٢٣٤) فهذا القول هو الذي اتفق عليه أكثر المتقدمين والمتأخرين من المفسرين.
القول الثاني : وهو قول مجاهد : أن الله تعالى أنزل في عدة المتوفى عنها زوجها آيتين أحدهما : ما تقدم وهو قوله :﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ والأخرى : هذه الآية، فوجب تنزيل هاتين الآيتين على حالتين. فنقول : إنها إن لم تختر السكنى في دار زوجها ولم تأخذ النفقة من مال زوجها، كانت عدتها أربعة أشهر وعشراً على ما في تلك الآية المتقدمة، وأما إن اختارت السكنى في دار زوجها، والأخذ من ماله وتركته، فعدتها هي الحول، وتنزيل الآيتين على هذين التقديرين أولى، حتى يكون كل واحد منهما معمولاً به.