و من أحسن من اللّه حكما »، ولما احتاج الكلام الى فاصلة تناسب ما قبلها وما بعدها، أتت تفيد معنى زائدا، لولاها لم يحصل، وذلك أنه لا يعلم أن حكم اللّه أحسن من كل حكم إلا من أيقن أنه واحد حكيم عادل ليبقى توحيده الشريك في الحكم الذي انفرد به، ولم يكن له معارض فيه ولا مناقض له، ويحصل من حكمته وضع الشي ء في موضعه فيؤمن منه وضع الحق في غير موضعه، وينفي العدل عنه الجور في الحكم، ثم عدل عن قوله :« يعلمون » الى قوله :« يوقنون » ليكون علمهم بربهم علم قطع ويقين.
الإيغال الاحتياطي في الشعر :
أما الإيغال الاحتياطي في الشعر فهو في القوافي خاصة لا يعدوها، ويسميه بعضهم التبليغ، حكى الحاتميّ عن عبد اللّه بن جعفر عن محمد ابن يريد المبرّد قال : حدثنى التوزيّ قال : قلت للأصمعي : من أشعر الناس؟ قال : الذي يجعل المعنى الخسيس بلفظه كبيرا، أو يأتي الى المعنى الكبير فيجعله خسيسا، أو ينقض كلامه قبل القافية، فاذا احتاج إليها أفاد بها معنى. قلت : نحو من؟ قال : نحو الأعشى إذ يقول :
إعراب القرآن وبيانه، ج ٢، ص : ٥٠٠
كناطح صخرة يوما ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
فقد تم المثل بقوله : وأوهى قرنه، فلما احتاج الى القافية قال :
« الوعل ». قلت : وكيف صار الوعل مفضلا على كل ما ينطح؟
قال : لأنه ينحطّ من قنّة الجبل على قرنه فلا يضيره. قلت : ثمّ نحو من؟ قال : نحو ذي الرمة بقوله :
قف العيس في أطلال ميّة واسأل رسوما كأخلاق الرّداء المسلسل
فتم كلامه، ثم احتاج الى القافية فقال : المسلسل، فزاد شيئا. وقوله :
أظن الذي يجدي عليك سؤالها دموعا كتبديد الجمان المفصّل
فتمّم كلامه، ثم احتاج الى القافية، فقال :« المفصل »، فزاد شيئا أيضا. وليس بين الناس اختلاف في أن امرأ القيس أول من ابتكر هذا المعنى بقوله يصف الفرس :
إذا ماجرى شأوين وابتل عطفه تقول : هزيز الريح مرت بأثأب