فبالغ في صفته وجعله على هذه الصفة بعد أن يجري شأوين، ويبتل عطفه بالعرق، ثم زاد « الأثأب » إيغالا في صفته، وهو شجر للريح في أضعاف غصونه حفيف عظيم وشدّة صوت. وأتبعه زهير ابن أبي سلمى فقال :
كأن فتات العهن في كل منزل نزلن به حبّ الفنا لم يحطّم
إعراب القرآن وبيانه، ج ٢، ص : ٥٠١
فأوغل في التشبيه إيغالا بتشبيه ما يتناثر من فتات الأرجوان بحب الفنا الذي لم يحطم، لأنه أحمر الظاهر أبيض الباطن، فإذا لم يحطم لم يظهر فيه بياض البتة، وكان خالص الحمرة. وتبعهما الأعشى فقال يصف امرأة :
غرّاء فرعاء مصقول عوارضها تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل
فأوغل بقوله :« الوحل » بعد أن قال :« الوجي » وكان الرشيد كثير العجب بقول صريع الغواني :
إذا ما علت منّا ذؤابة شارب تمشّت به مشي المقيّد في الوحل
و يقول : قاتله اللّه ما كفاه أن جعله مقيدا حتى جعله في وحل.
٢-
إيغال احتياط :
و هو أن يستكمل المتكلم معنى كلامه قبل أن يقطعه، فإذا أراد الإتيان بذلك أتى بما يفيد معنى زائدا تتمة للمبالغة، كقوله تعالى :
« و لا تسمع الصم الدعاء »، ثم علم عز وجل أن الكلام يحتاج الى فاصلة تماثل مقاطع ما قبلها وما بعدها فأتى بها تفيد معنى زائدا على معنى الكلام حيث قال :« إذا ولّوا مدبرين ». فإن قيل : ما معنى مدبرين؟ وقد أغنى عنها ذكر التولي؟ قلنا : ذلك لا يغنى عنها، إذ التولي قد يكون بجانب دون جانب، كما يكون الإعراض. وسيأتي المزيد منها عند الكلام على سورة النمل إن شاء اللّه تعالى.
إعراب القرآن وبيانه، ج ٢، ص : ٥٠٢
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٥٢ الى ٥٣]