أقول لنفسي حين خود رألها رويدك لما تشفقي حين مشفق
رويدك حتى تنظري عمّ ينجلي غيابة هذا البارق المتألق
و الرأل النعام والمراد به هاهنا أن نفسه فرت وفزعت وشبه ذلك باسراع النعام في فراره وفزعه ولما أورده على حكم المجاز خف عنه بعض القبح الذي على لفظة خوّد وهذا يدرك بالذوق السليم ولا ضابط له ولا يخفى ما بين هذه اللفظة في إيرادها هاهنا وإيرادها في بيت أبي تمام فانها وردت في بيت أبي تمام قبيحة سجة ووردت هنا متوسطة أما نقل الفعل من صيغة الى صيغة فمثاله لفظة « ودع » وهي فعل ماض ثلاثي لا ثقل بها وليست حروفها متنافرة ومع ذلك أحجم العرب عن استعمالها بصيغة الماضي لسماجتها فاذا نقلت الى المستقبل أو الأمر كانت حسنة فصيحة، أما الأمر فكقوله تعالى « فذرهم يخوضوا ويلعبوا » ولم تأت في القرآن إلا كذلك وأما نقلها الى صيغة المستقبل فكقول أبي الطيب المتنبي :
تشقّكم بقناها كل سلهبة والضرب يأخذ منكم فوق ما يدع
فهي هنا غاية في الفصاحة ولهذا أمات العرب ماضي يدع ويذر وقد استسمجوا قول أبي العتاهية مع حسن معناه :
إعراب القرآن وبيانه، ج ٥، ص : ٧٣
أثروا فلم يدخلوا قبورهم شيئا من الثروة التي جمعوا
و كان ما قدموا لأنفسهم أعظم نفعا من الذي ودعوا
أما النقل من الإفراد الى التثنية والجمع فمثاله الآية التي نحن بصددها وذلك ان لفظة « اللب » الذي هو العقل لا لفظة اللب الذي تحت القشر فانها لا تحسن في الاستعمال الا مجموعة وكذلك وردت هنا وفي أكثر من موضع من القرآن الكريم وقد تستعمل مفردة ولكن شريطة أن تكون مضافة أو مضافا إليها فأما كونها مضافة فكقول النبي صلى اللّه عليه وسلم في ذكر النساء :« ما رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الحازم من إحداكن يا معشر النساء » واما كونها مضافا إليها فكقول جرير :
إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا