في قوله « و لا تعد عيناك » مجاز عقلي لأنه أسند فعل عدا أي تجاوز الى العينين ومن حقه أن يسندهما إليه لأن عدا متعد بنفسه كما تقدم وانما جنح الى المجاز لأنه أبلغ من الحقيقة فكأن عينيه ثابتتان في الرنو إليهم وكأنما أدركتا ما لا تدركان وأحستا بوجوب النظر الى هؤلاء وصبر النفس ورياضتها على ملازمتهم.
و قيل هو من باب التضمين فقد ضمن عدا معنى نبا وعلا من قولهم نبت عينه عنه إذا اقتحمته ولم تعلق به والغرض من هذا التضمين إعطاء مجموع معنيين وذلك أقوى من إعطاء معنى مفرد أي لا تقتحمهم عيناك مجاوزتين الى غيرهم وهو جميل أيضا.
الفوائد :
القاعدة في اسم التفضيل انه إذا كان مقترنا بأل امتنع وصله بمن الجارة فلا يقال فلان الأفضل من فلان ووجبت مطابقته لما قبله إفرادا وتثنية وجمعا وتذكيرا وتأنيثا وقد شذ وصله بمن في قول الشاعر :
و لست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر
و إذا تجرد من أل والاضافة فلا بد من إفراده وتذكيره في جميع
إعراب القرآن وبيانه، ج ٥، ص : ٥٨١
أحواله وأن تتصل به من المجارة ولو تقديرا نحو قوله تعالى « و للآخرة خير وأبقى ».
و إذا أضيف الى نكرة وجب إفراده وتذكيره وامتنع وصله بمن الجارة.
و إذا أضيف الى معرفة امتنع وصله بمن الجارة وجاز فيه وجهان :
الإفراد والتذكير كالمضاف الى نكرة ومطابقته لما قبله وقد ورد الاستعمالان في القرآن فمن الأول « و لتجدنهم أحرص الناس على حياة » ولم يقل أحرصي الناس ومن الثاني « و كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ».
حكم الدنيا : هذا والقياس أن تأتي الدنيا بالألف واللام لأنها صفة في الأصل على وزن فعلى والمذكر الأدنى له فمن حقها المطابقة كما أتت في الآية التي نحن بصددها على أنهم استعملوها استعمال الأسماء فهم لا يكادون يذكرون معها الموصوف فاستعملوها بغير ألف ولام كسائر الأسماء قال العجاج :
يوم ترى النفوس ما أعدت من نزل إذا الأمور غبت