أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ » وهذا موضع يدق عن العثور عليه بالنظرة العجيلة ولا يمكن اكتناه حسنه إلا بعد التأمل العميق وهذا فن جليل القدر، بعيد الغور، فللضمائر أسرار لا يدركها إلا الملهمون والمبدعون وهي ليست مجرد ضمائر تذكر كما ترد في كتب النحو وستأتي في كتابنا هذا صور رائعة عنه تبين مدى قدر المبين وتساميه عن الانداد.
التوكيد بالضمائر في الشعر :
و سنورد لك هنا الآن نماذج من التوكيد بالضمائر الوارد في الشعر تذهل العقول فمن بديع ما استظرفناه قول أبي تمام :
إعراب القرآن وبيانه، ج ٦، ص : ١٥
لا أنت أنت ولا الديار ديار خف الهوى وتولت الأوطار
فقوله « لا أنت أنت ولا الديار ديار » من المليح النادر لأنه هو هو والديار الديار وإنما مراده أن البواعث التي كانت تبعث على قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ولا الديار في عينه من الحسن تلك الديار. وقد حاول أبو الطيب أن ينسج على منوال أبي تمام فأسف ولم يلحق به إذ قال :
قبيل أنت أنت وأنت منهم وجدك بشر الملك الهمام
فقوله « أنت أنت » من توكيد الضميرين المشار إليهما وفائدته المبالغة في مدحه ولكنه أفسد على نفسه ما أراده لأن سبك البيت عار من الحسن وفيه تقديم وتأخير أفسداه أيضا لأنه كان من حقه أن يقول :
قبيل أنت منهم وأنت أنت ولو تأتّى له ذلك الرأب صدع البيت، ومع ذلك يبقى دون بيت أبي تمام العذب الرشيق وهذا مرده الى الذوق وهو الحكم في هذا الباب.
و روى صاحب الأغاني : أن عمرو بن ربيعة قال لزياد بن الهبولة :