فاستنطق العود قد طال السكوت به لا ينطق اللهو حتى ينطق العود
إعراب القرآن وبيانه، ج ٦، ص : ١٧
شبه العود بانسان على طريق الاستعارة المكنية ويصح أن يكون مجازا عقليا على نحو ما قدمنا لك.
و قول حسان بن ثابت :
ان دهرا يلف شملي بجمل لزمان يهمّ بالإحسان
و جمل اسم محبوبته ويروى بعدي يقول : إن الدهر الذي يجمع شملي بمحبوبتي لدهر يهمّ بالإحسان على طريق المكنية ولفظ الهم تخييل ويحتمل أن إسناد الهم له مجاز عقلي كإسناد اللف.
٥- التقديم والتأخير :
ظاهر الكلام يقتضي تأخير قوله « فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها » عن قوله :
« وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً » لأن إرادة العيب مسببة عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب والجواب على ذلك أنه سبحانه قدم المسبب على السبب للعناية به ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده ولكن مع كونها للمساكين.
و في الآية والتي بعدها أيضا أسرار عجيبة أخرى وذلك بمخالفة الضمائر فيهما فقد أسند في الأولى الفعل الى ضميره خاصة بقوله « فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها » وأسنده في الثانية الى ضمير الجماعة والمعظم نفسه في قوله « فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما » و « فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما » ولعل إسناد الأول الى نفسه خاصة من باب الأدب مع اللّه تعالى لأن المراد أن ثمة عيبا فتأدب بأن نسب الإعابة الى نفسه وأما إسناد الثاني الى الضمير المذكور فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك أمرنا بكذا
إعراب القرآن وبيانه، ج ٦، ص : ١٨
أو دبرنا كذا وإنما يعنون بأمر الملك أو دبر ويؤيد ذلك قوله في الثالثة « فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما » فلم تأت الضمائر على نمط واحد وهذا من أرقى الأساليب وأحفلها بالمعاني الخصبة التي لا يمجها السمع وتحتويها الآذان.
الفوائد :