وهذا الذي ذهب إليه الزمخشري في تضعيف عين الكلمة هنا، هو الذي يعبر عنه بالتكثير، أي يفعل ذلك مرة بعد مرة، فيدل على هذا المعنى بالتضعيف ويعبر عنه بالكثرة. وذهل الزمخشري عن إن ذلك إنما يكون غالباً في الأفعال التي تكون قبل التضعيف متعدية، نحو : جرحت زيداً، وفتحت الباب، وقطعت، وذبحت، لا يقال : جلس زيد، ولا قعد عمر، ولا صوم جعفر، ونزلنا لم يكن متعدياً قبل التضعيف إنما كان لازماً، وتعديه إنما يفيده التضعيف أو الهمزة، فإن جاء في لازم فهو قليل. قالوا : مات المال، وموت المال، إذا كثر ذلك فيه، وأيضاً، فالتضعيف الذي يراد به التكثير إنما يدل على كثرة وقوع الفعل، أما أن يجعل اللازم متعدياً فلا، ونزلنا قبل التضعيف كان لازماً ولم يكن متعدياً، فيكون التعدي المستفاد من التضعيف دليلاً على أنه للنقل لا للتكثير، إذ لو كان للتكثير، وقد دخل على اللازم، بقي لازماً نحو : مات المال، وموّت المال. وأيضاً فلو كان التضعيف في نزل مفيداً للتنجمي لاحتاج قوله تعالى :﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ إلى تأويل، لأن التضعيف دال على التنجمي والتكثير، وقوله :﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ ينافي ذلك. وأيضاً فالقراءات بالوجهين في كثير مما جاء يدل على أنهما بمعنى واحد. وأيضاً مجيء نزل حيث لا يمكن فيه التكثير والتنجيم إلا على تأويل بعيد جداً يدل على ذلك.
قال تعالى :﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ﴾، وقال تعالى :﴿قُل لَّوْ كَانَ فِى الارْضِ مَلَئاِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَاِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولا﴾، ليس المعنى على أنهم اقترحوا تكرير نزول الآية، ولا أنه علق تكرير نزول ملك رسول على تقدير كون ملائكة في الأرض، وإنما المعنى، والله أعلم، مطلق الإنزال. وفي نزلنا التفات لأنه انتقال من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم، لأن قبله ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ و﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾. فلو جرى الكلام على هذا السياق لكان مما نزل على عبده، لكن في هذا الالتفات من التفخيم للمنزل والمنزل عليه ما لا يؤديه ضمير غائب، لا سيما كونه أتى بنا المشعرة بالتعظيم التام وتفخيم الأمر ونظيره، ﴿وَهُوَ الَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا﴾، وتعدي نزل بعلى إشارة إلى استعلاء المنزل على المنزل عليه وتمكنه منه، وأنه قد صار كالملابس له، بخلاف إلى فإنها تدل على الانتهاء والوصول.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٠١
ولهذا المعنى الذي أفادته على تكرار ذلك في القرآن في آيات، قال تعالى :﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾، طه ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى ﴾، ﴿هُوَ الَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾
١٠٣
. وفي إضافة العبد إليه تعالى تنبيه على عظيم قدره، واختصاصه بخالص العبودية، ورفع محله وإضافته إلى نفسه تعالى، واسم العبد عام وخاص، وهذا من الخاص :
لا تدعني إلا بيا عبدهالأنه أشرف أسمائي
ومن قرأ : على عبادنا بالجمع، فقيل : يريد رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأمته، قاله الزمخشري، وصار نظير قوله تعالى :﴿إِنَّمَآ أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾، لأن جدوى المنزل والهداية الحاصلة به من امتثال التكاليف، والموعود على ذلك لا يختص بل يشترك فيه المتبوعون والتباع، فجعل كأنه نزل عليهم. وذلك نوع من المجاز يجعل فيه من لم يباشر الشيء إذا كان مكلفاً به منزلة من باشر، ويحتمل أن يريد به النبيين الذين أنزل عليهم الوحي، والكتب والرّسول أول مقصود بذلك، وأسبق داخل في العموم، لأنه هو الذي طلب معاندوه بالتحدي في كتابه، ويكون ذلك خطاباً لمنكري النبوات، كما قال تعالى، حكايةعن بعضهم :﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِا إِذْ قَالُوا مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ ﴾. ويحتمل أن يراد بالمفرد الجمع. وتبينه هذه القراءة كقوله تعالى :﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى الايْدِى وَالابْصَارِ﴾، في قراءة من أفرد، فيكون إذ ذاك للجنس.
فأتوا بسورة : طلب منهم الإتيان بمطلق سورة، وهي القطعة من القرآن التي أقلها ثلاث آيات، فلم يقترح عليهم الإتيان بسورة طويلة فتعنتوا في ذلك، بل سهل عليهم وأراح عليهم بطلب الإتيان بسورة ما، وهذا هو غاية التبكيت والتخجيل لهم. فإذا كنتم لا تقدرون أنتم ولا معاضدوكم بالإتيان بسورة من مثله، فكيف تزعمون أنه من جنس كلامكم ؟ وكيف يلحقكم في ذلك ارتياب أنه من عند الله ؟


الصفحة التالية
Icon