وقد علم من مذهب أهل السنة أن من وافى على الإيمان فهو من أهل الجنة، سواء كان مرتكباً كبيرة أم غير مرتكب، تائباً أو غير تائب، ومن قال : إن من زائدة والتقدير تجري تحتها، أو بمعنى في، أي في تحتها، فغير جار على مألوف المحققين من أهل العربية، بل هي متعلقة بتجري، وهي لابتداء الغاية. وإذا فسرنا الجنات بأنها الأشجار الملتفة ذوات الظل، فلا يحتاج إلى حذف. وإذا فسرناها بالأرض ذات الأشجار، احتاج، إذ يصير التقدير من تحت أشجارها أو غرفها ومنازلها. وقيل : عبر بتحتها عن أسافلها وأصولها. وقيل : المعنى في تجري من تحتها : أي بأمر سكانها واختيارهم، فعبر بتحتها عن قهرهم لها وجريانها على حكمهم، كما قيل فيم قوله تعالى، حكاية عن فرعون :﴿وَهَـاذِهِ الانْهَـارُ تَجْرِى مِن تَحْتِى ﴾، أي بأمري وقهري. وهذا المعنى لا يناسب إلا لو كانت التلاوة : أن لهم جنات تجري من تحتهم، فيكون نظير من تحتي إذا جعل على حذف مضاف، أي من تحت أهلها، استقام المعنى الذي ذكر أنه لا يناسب، إذ ليس المعنى بأمر الجنات واختيارها. وقيل : المعنى في من تحتها : من جهتها. وقد روي عن مسروق : أن أنهار الجنة تجري في غير أخاديد، وأنها تجري على سطح أرض الجنة منبسطة. وإذا صح هذا النقل، فهو أبلغ في النزهة، وأحلى في المنظر، وأبهج للنفس. فإن الماء الجاري ينبسط على وجه الأرض جوهره فيحسن اندفاعه وتكسره، وأحسن البساتين ما كانت أشجاره ملتفة وظله ضافياً وماؤه صافياً منساباً على وجه أرضه، لا سيما الجنة، حصباؤها الدر والياقوت واللؤلؤ، فتنكسر تلك
١١٢
المياه على ذلك الحصى، ويجلو صفاء الماء بهجة تلك الجواهر، وتسمع لذلك الماء المتكسر على تلك اليواقيت واللآلىء له خريراً، قال شيخنا الأديب البارع أبو الحكم مالك بن المرحل المالقي، رحمه الله تعالى، من كلمة :
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٠٩
وتحدث الماء الزلال مع الحصىفجرى النسيم عليه يسمع ما جرى
خرج الترمذي من حديث حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلّم :"إن في الجنة بحر الماء، وبحر العسل، وبحر اللبن، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار بعده". ويؤيد هذا الحديث قوله تعالى :﴿فِيهَآ أَنْهَـارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ﴾ الآية. ولما كانت الجنة لا تشوق، والروض لا يروق إلا بالماء الذي يقوم لها مقام الأرواح للأشباح، ما كاد مجيء ذكرها إلا مشفوعاً بذكر الأنهار، مقدماً هذا الوصف فيها على سائر الأوصاف. قال ابن عطية : نسب الجري إلى النهر، وإنما يجري الماء وحده توسعاً وتجوزاً، كما قال تعالى :﴿وَسْـاَلِ الْقَرْيَةَ﴾، وكما قال الشاعر :
نبئت أن النار بعدك أوقدتواستب بعدك يا كليب المجلس
انتهى كلامه.
وناقض قوله هذا ما شرح به الأنهار قبله بنحو من خمسة أسطر قال : والأنهار المياه في مجاريها المتطاولة الواسعة، انتهى كلامه. والألف واللام في الأنهار للجنس، قال الزمخشري : أو يراد أنهارها، فعوض التعريف باللام من تعريف الإضافة، كقوله تعالى :﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، وهذا الذي ذكره الزمخشري، وهو أن الألف واللام تكون عوضاً من الإضافة، ليس مذهب البصريين، بل شيء ذهب إليه الكوفيون، وعليه خرج بعض الناس قوله تعالى :﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الابْوَابُ﴾، أي أبوابها. وأما البصريون فيتأولون هذا على غير هذا الوجه ويجعلون الضمير محذوفاً، أي الأبواب منها، ولو كانت الألف واللام عوضاً من الإضافة لما أتى بالضمير مع الألف واللام، وقال الشاعر :
قطوب رحيب الجيب منها رقيقةبجس الندامى بضة المتجرد
ويجوز أن تكون الألف واللام للعهد الثابت في الذهن من الأنهار الأربعة المذكورة في سورة القتال. وجاء هذا الجمع بصيغة جمع القلة إشارة إلى الأنهار الأربعة، إن قلنا : إن الألف واللام فيها للعهد، أو إشارة إلى أنهار الماء، وهي أربعة أو خمسة، في الصحيح. إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذكر الجنة فقال :"نهران باطنان : الفرات والنيل، ونهران ظاهران : سيحان وجيحان". وفي رواية سيحون وجيحون، وعن أنس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ماء الكوثر قال :"ذاك نهر أعطانيه الله تعالى، يعني في الجنة، ماؤه وأشدّ بياضاً من اللبن وأحلى من العسل" الحديث. وإن كانت أنهاراً كثيرة فيكون ذلك من إجراء جمع القلة مجرى جمع الكثرة، كما جاء العكس على جهة التوسع والمجاز لاشتراكهما في الجمعية.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٠٩