وقيل : هما مصدران في موضع الحال أي : لاوين وطاعنين. ومعنى : وطعنا في الدين، أي باللسان. وطعنهم فيه إنكار نبوّته، وتغيير نعته، أو عيب أحكام شريعته، أو تجهيله. وقولهم : لو كان نبياً لدرى أنا نسبه، أو استخفافهم واعتراضهم وتشكيكهم اتباعه أقوال أربعة. قال ابن عطية : وهذا الليّ باللسان إلى خلاف ما في القلب موجود حتى الآن في بني إسرائيل، ويحفظ منه في عصرنا أمثلة، إلا أنه لا يليق ذكرها بهذا الكتاب انتهى. وهو يحكي عن يهود الأندلس، وقد شاهدناهم وشاهدنا يهود ديار مصر على هذه الطريقة، وكأنهم يربون أولادهم الصغار على ذلك، ويحفظونهم ما يخاطبون به المسلمين مما ظاهره التوقير ويريدون به التحقير. قال الزمخشري :(فإن قلت) : كيف جاؤا بالقول المحتمل ذي الوجهين، بعدما صرحوا وقالوا سمعنا وعصينا ؟ (قلت) : جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان، ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء، ويحتمل أن يقولوه فيما بينهم، ويجوز أن لا ينطقوا بذلك، ولكنهم لما لم يؤمنوا به جعلوا كأنهم نطقوا به.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٦٠
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ أي : لو تبدّلوا بالعصيان الطاعة، ومن الطاعة الإيمان بك، واقتصروا على لفظ اسمع، وتبدلوا براعنا قولهم : وانظرنا، فعدلوا عن الألفاظ الدالة على عدم الانقياد، والموهمة إلى ما أمروا به، لكان أي : ذلك القول، خيراً لهم عند الله وأعدل أي : أقوم وأصوب. قال عكرمة ومجاهد وغيرهما : أنظرنا أي انتظرنا بمعنى أفهمنا وتمهل علينا حتى نفهم عنك ونعي قولك، كما قال الحطيئة :
وقد نظرتكم أثناء صادرةللخمس طال بها مسحى وابساسي
وقالت فرقة : معناه انظر إلينا، وكأنه استدعاء اهتبال وتحف منهم. ومنه قول ابن قيس الرقيان :
ظاهرات الجمال والحسن ينظرن كما تنظر الاراك الظباء
وقرأ أبي : وأنظرنا من الأنظار وهو الإمهال. قال الزمخشري : المعنى ولو ثبت قولهم سمعنا وأطعنا لكان قولهم ذلك خيراً لهم وأقوم وأعدل وأسد انتهى. فسبك من أنهم قالوا مصدراً مرتفعاً بثبت على الفاعلية، وهذا مذهب المبرد خلافاً لسيبويه. إذ يرى سيبويه أنّ أن بعد لو مع ما عملت فيه مقدر باسم مبتدأ، وهل الخبر محذوف، أم لا يحتاج إلى تقدير خبر لجريان المسند والمسند إليه في صلة أن ؟ قولان أصحهما هذا. فالزمخشري وافق مذهب المبرد، وهو مذهب مرجوح في علم النحو.
﴿وَلَـاكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي : أبعدهم الله عن الهدى بسبب كفرهم السابق. وقال الزمخشري : أي خذلهم بسبب كفرهم وأبعدهم عن ألطافه انتهى. وهذا على طريقة الاعتزالي.
﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ استثناء من ضمير المفعول في لعنهم أي : إلا قليلاً لم يلعنهم فآمنوا، أو استثناء من الفاعل في : فلا يؤمنون، أي : إلا قليلاً فآمنوا كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وغيرهما. أو هو راجع إلى المصدر المفهوم من قوله : فلا يؤمنون أي : إلا إيماناً قليلاً قلله إذ آمنوا بالتوحيد، وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلّم
٢٦٤
وبشرائعه. وقال الزمخشري : إلا إيماناً قليلاً أي : ضعيفاً ركيكاً لا يعبأ به، وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره. وأراد بالقلة العدم كقوله : قليل التشكي للهموم تصيبه. أي عديم التشكي.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٦٠
وقال ابن عطية : من عبر بالقلة عن الإيمان قال : هي عبارة عن عدمه ما حكى سيبويه من قولهم : أرض قلما تنبت كذا، وهي لا تنبته جملة. وهذا الذي ذكره الزمخشري وابن عطية من أن التقليل يراد به العدم هو صحيح في نفسه، لكن ليس هذا التركيب الاستثنائي من تراكيبه. فإذا قلت : لا أقوم إلا قليلاً، لم يوضع هذا لانتقاء القيام ألبتة، بل هذا يدل على انتفاء القيام منك إلا قليلاً فيوجد منك. وإذا قلت : قلما يقوم أحد إلا زيد، وأقل رجل يقول ذلك احتمل هذا، أن يراد به التقليل المقابل للتكثير، واحتمل أن يراد به النفي المحض. وكأنك قلت : ما يقوم أحد إلا زيد، وما رجل يقول ذلك. إمّا أن تنفى ثم توجب ويصير الإيجاب بعد النفي يدل على النفي، فلا إذ تكون إلا وما بعدها على هذا التقدير، جيء بها لغواً لا فائدة فيه، إذ الانتفاء قد فهم من قولك : لا أقوم. فأيُّ فائدة في استثناء مثبت يراد به الانتفاء المفهوم من الجملة السابقة، وأيضاً، فإنه يؤدي إلى أنه يكون ما بعد إلا موافقاً لما قبلها في المعنى. وباب الاستثناء لا يكون فيه ما بعد إلا موافقاً لما قبلها، وظاهر قوله : فلا يؤمنون إلا قليلاً، إذا جعلناه عائداً إلى الإيمان، إنّ الإيمان يتجزأ بالقلة والكثرة، فيزيد وينقص، والجواب : إن زيادته ونقصه هو بحسب قلة المتعلقات وكثرتها.


الصفحة التالية
Icon