وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبلاغة والبديع. قالوا : التجوز بإطلاق الشيء على ما يقاربه في المعنى في قوله : إن الله لا يظلم، أطلق الظلم على انتقاص الأجر من حيث أن نقصه عن الموعود به قريب في المعنى من الظلم. والتنبيه بما هو أدنى على ما هو أعلى في قوله : مثقال ذرة. والإبهام في قوله : يضاعفها، إذ لم يبين فيه المضاعفة في الأجر. والسؤال عن المعلوم لتوبيخ السامع، أو تقريره لنفسه في : فكيف إذا جئنا. والعدول من بناء إلى بناء لمعنى في : بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً. والتجنيس المماثل في : وجئنا وفي : وجئنا وفي : بشهيد وشهيداً. والتجنيس المغاير : في واسمع غير مسمع. والتجوز بإطلاق المحل على الحال فيه في : من الغائط. والكناية في : أو لامستم النساء. والتقديم والتأخير في : إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا إلى قوله : فتيمموا. والاستفهام المراد به التعجب في : ألم تر. والاستعارة في : يشترون الضلالة. والطباق في : هذا أي بالهدى، والطباق الظاهر في : وعصينا وأطعنا. والتكرار في : وكفى بالله ولياً، وكفى بالله، وفي سمعنا وسمعنا. والحذف في عدة مواضع.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٦٠
طمس : متعد ولازم. تقول : طمس المطر الأعلام أي محا آثارها، وطمست الأعلام درست، وطمس الطريق درس وعفت أعلامه قاله : أبو زيد. ومن
٢٦٥
المتعدّي :﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ أي استؤصلت. وقال ابن عرفة في قوله : اطمس على أموالهم أي أذهبها كلية، وأعمى مطموس أي : مسدود العينين. وقال كعب :
من كل نضاخة الذفرى إذا عرقتعرضتها طامس الأعلام مجهول
والطمس والطسم والطلس والدرس كلها متقاربة في المعنى. الفتيل : فعيل بمعنى مفعول. فقيل : هو الخيط الذي في شق نواة التمرة. وقيل : ما خرج من الوسخ من بين كفيك وأصبعيك إذا فتلتهما. الجبت : اسم لصنم ثم صار مستعملاً لكل باطل، ولذلك اختلفت فيه أقاويل المفسرين على ما سيأتي. وقال قطرب : الجبت الجبس، وهو الذي لا خير عنده، قلبت السين تاء. قيل : وإنما قال هذا لأن الجبت مهمل. النقير : النقطة التي على ظهر النواة منها تنبت النخلة قاله : ابن عباس. وقال الضحاك : هو البياض الذي في وسطها. النضج : أخذ الشيء في التهري وتفرق أجزائه، ومنه نضج اللحم، ونضج الثمرة. يقال : نضج الشيء ينضج نضجاً ونضاجاً. الجلد معروف.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٦٥
﴿قَلِيلا * يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلّم أحبار اليهود منهم عبد الله بن صوريا إلى الإسلام وقال لهم :﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَـارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ فقالوا : ما نعرف ذلك، فنزلت. قاله ابن عباس. ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما رجاهم بقوله :﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا ﴾ الآية. خاطب من يرجى إيمانه منهم بالأمر بالإيمان، وقرن بالوعيد البالغ على تركه ليكون أدعى لهم إلى الإيمان والتصديق به، ثم أزال خوفهم من سوء الكبائر السابقة بقوله :﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية. وأعلمهم أن تزكيتهم أنفسهم بما لم يزكهم به الله لا ينفع.
والذين أوتوا الكتاب هنا اليهود، والكتاب التوراة قاله : الجمهور، أو اليهود والنصارى قاله : الماوردي وابن عطية. والكتاب التوراة والإنجيل، وبما نزلنا هو القرآن بلا خلاف، ولما معكم من شرع وملة لا لما معهم من مبدل ومغير من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدباها. قرأ الجمهور : نطمس بكسر الميم. وقرأ أبو رجاء : بضمها. وهما لغتان، والظاهر أن يراد بالوجوه مدلولها الحقيقي، وأما طمسها فقال ابن عباس وعطية العوفي : هو أن تزال العينان خاصة منها وترد في القفا، فيكون ذلك رداً على الدبر ويمشي القهقرى. وعلى هذا يكون ذلك على حذف مضاف أي : من قبل أن نطمس عيون وجوه، ولا يراد بذلك مطلق وجوه، بل المعنى وجوهكم. وقالت طائفة : طمس الوجوه أن يعفى آثار الحواس منها فترجع كسائر الأعضاء في الخلو من آثار الحواس منها، والرد على الإدبار هو بالمعنى أي : خلوه من الحواس. دثر الوجه لكونه عابراً بها، وحسن هذا القول الزمخشري وجوزه وأوضحه، فقال : إن
٢٦٦