أي ألا تعجب لهؤلاء الذين يزكون أنفسهم ؟ خاطبه ثانياً بالنظر في كيفية افترائهم الكذب على الله، وأتى بصيغة يفترون الدالة على الملابسة والديمومة، ولم يخص الكذب في تزكيتهم أنفسهم، بل عمم في ذلك وفي غيره. وأي ذنب أعظم ممن يفتري على الله الكذب ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فمن أظلم ممن كذب على الله.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٦٥
وكيف : سؤال عن حال، وانتصابه على الحال، والعامل فيه يفترون، والجملة في موضع نصب بانظر، لأن انظر معلقة. وقال ابن عطية : وكيف يصح أن يكون في موضع نصب بيفترون ؟ ويصح أن يكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر في قوله : يفترون انتهى. أما قوله : يصح أن يكون في موضع نصب بيفترون فصحيح على ما قررناه، وأما قوله ويصح أن يكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر في قوله يفترون، فهذا لم يذهب إليه أحد، لأنّ كيف ليست من الأسماء التي يجوز الابتداء بها، وإنما قوله : كيف يفترون على الله الكذب في التركيب نظير كيف يضرب زيد عمراً، ولو كانت مما يجوز الابتداء بها ما جاز أن يكون مبتدأ في هذا التركيب، لأنه ذكر أنّ الخبر هي الجملة من قوله : يفترون، وليس فيها رابط يربط هذه الجملة بالمبتدأ، وليست الجملة نفس المبتدأ في المعنى، فلا يحتاج إلى رابط. فهذا الذي قال فيه : ويصح، هو فاسد على كل تقدير.
﴿وَكَفَى بِهِا إِثْمًا مُّبِينًا﴾ تقدّم الكلام في نظير وكفى به. والضمير في به، عائد على الافتراء، وهو الذي أنكر عليهم. وقيل : على الكذب. وقال الزمخشري : وكفى بزعمهم لأنه قال :"كيف يفترون على الله الكذب" في زعمهم أنهم عند الله أزكياء، وكفى بزعمهم هذا اثماً مبيناً من بين سائر آثامهم انتهى. فجعل افتراءهم الكذب مخصوصاً بالتزكية، وذكرنا نحن أنَّه في هذا وفي غيره، وانتصاب اثماً على التمييز، ومعنى مبيناً أي : بينا واضحاً لكل أحد.
وقال ابن عطية : وكفى به خبر في ضمنه تعجب وتعجيب من الأمر، ولذلك دخلت الباء لتدل على معنى الأمر بالتعجب أن يكتفي لهم بهذا الكذب اثماً، ولا يطلب لهم غيره، إذ هو موبق ومهلك انتهى. وفي ما ذكر من أن الباء دخلت لتدل على معنى الأمر بالتعجب نظر، وقد أمعنا الكلام في قوله.
"وكفى بالله ولياً" فيطالع هناك. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَـابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّـاغُوتِ﴾ أجمعوا أنَّها في اليهود. وسبب نزولها أنَّ كعب بن الأشرف ويحيى بن أخطب وجماعة معهما وردوا مكة يحالفون قريشاً على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقالوا : أنتم أهل كتاب، وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا فلا نأمن مكركم فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم، ففعلوا. وقال أبو سفيان : أنحن أهدى سبيلاً أم محمد ؟ فقال كعب : ماذا يقول محمد ؟ قالوا : يأمر بعبادة الله وحده، وينهى عن الشرك. قال : وما دينكم ؟ قالوا : نحن ولاة البيت نسقي الحاج، ونقرى الضيف، ونفك العانى، وذكروا أفعالهم. فقال : أنتم أهدى سبيلاً. وفي بعض ألفاظ هذا السبب خلاف قاله ابن عباس. وقال عكرمة، خرج كعب في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد، والكتاب هنا التوراة على قول الجمهور، ويحتمل أن يكون التوراة والأنجيل.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٦٥
والجبت والطاغوت صنمان كانا لقريش قاله : عكرمة وغيره. أو الجبت هنا حيي، والطاغوت كعب، قاله : ابن عباس أيضاً. أو الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، قاله : مجاهد، والشعبي وروى عن عمر والجبت الساحر، والطاغوت الشيطان قاله : زيد بن أسلم. أو الجبت الساحر، والطاغوت الكاهن، قاله : رفيع وابن جبير. أو الجبت الكاهن، والطاغوت الشيطان، قاله : ابن جبير أيضاً. أو الجبت الكاهن، والطاغوت الساحر، قاله : ابن سيرين. أو الجبت الشيطان، والطاغوت
٢٧١
الكاهن قاله : قتادة. أو الجبت كعب، والطاغوت الشيطان كان في صورة انسان، أو الجبت الأصنام وكل ما عبد من دون الله، والطاغوت الشيطان قاله : الزمخشري. أو الجبت والطاغوت كل معبود من دون الله من حجر، أو صورة، أو شيطان قاله : الزجاج، وابن قتيبة.