﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِـاَايَـاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ لما ذكر قوله : ومنهم من صد عنه، وكفى بجهنم سعيراً أتبع ذلك بما أعد الله للكافرين بآياته، ثم بعد يتبع بما أعد للمؤمنين، وصار نظير وتسود وجوه، "فأما الذين اسودت وجوههم". وقرأ الجمهور نصليهم من أصلى. وقرأ حميد : نصليهم من صليت. وقرأ سلام ويعقوب : نصليهم بضم الهاء.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٦٥
﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَـاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ انتصاب على كل الظرف لأنه مضاف إلى ما المصدرية الظرفية، والعامل فيه بدلناهم، وهي جملة فيها معنى الشرط، وهي في موضع الحال، والعامل فيها نصليهم. والتبديل على معنيين : تبديل في الصفات مع بقاء العين، وتبديل في الذوات بأن تذهب العين وتجيء مكانها عين أخرى، يقال : هذا بدل هذا. والظاهر في الآية هذا المعنى الثاني. وأنه إذا نضج ذلك الجلد وتهري وتلاشى جيء بجلد آخر مكانه، ولهذا قال : جلوداً غيرها. قال السدي : إن الجلود تخلق من اللحم، فإذا أحرق جلد بدله الله من لحم الكافر جلداً آخر. وقيل : هي بعينها تعاد بعد إحراقها، كما تعاد الأجساد بعد البلى في القبور، فيكون ذلك عائداً إلى الصفة، لا إلى الذات. وقال الفضيل : يجعل النضج غير نضيج. وقيل : تبدل كل يوم سبع مرات. وقال الحسن : سبعين. وأبعد من ذهب إلى أن الجلود هي سرابيل من قطران تخالط جلودهم مخالطة لا يمكن إزالتها. فيبدل الله تلك السرابيل كل يوم مائة مرة. أو كما قيل : مائة ألف مرة. وسميت جلوداً لملابستها الجلود. وأبعد أيضاً من ذهب إلى أن هذا استعاره عن الدوام، كلما انتهى فقد ابتدأ من أوله، يعني : كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة، بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا، فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه. وقال ابن عباس : يلبسهم الله جلوداً بيضاء كأنها قراطيس. وقال عبد العزيز بن يحيى : يلبس أهل النار جلوداً تؤلمهم ولا تؤلم هي.
﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ أي ذلك التبديل كلما نضجت الجلود، هو ليذوقوا ألم العذاب. وأتى بلفظ الذوق المشعر بالإحساس الأول وهو آلم، فجعل كلما وقع التبديل كان لذوق العذاب بخلاف من تمرن على العذاب. وقال الزمخشري : ليذوقوا العذاب ليدوم لهم دونه ولا ينقطع، كقولك للعزيز : أعزك الله أي أدامك على عزك، وزادك فيه.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي عزيزاً
٢٧٤
لا يغالب، حكيماً يضع الأشياء مواضعها. وقال الزمخشري : عزيز لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين، حكيماً لا يعذب إلا بعدل من يستحقه.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٦٥
﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَـاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانْهَـارُ خَـالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ﴾ لما ذكر تعالى وعيد الكفار أعقب بوعد المؤمنين، وجاءت جملة الكفار مؤكدة بأن على سبيل تحقيق الوعيد المؤكد، ولم يحتج إلى ذلك في جملة المؤمنين، وأتى فيها بالسين المشعرة بقصر مدة التنفيس على سبيل تقريب الخير من المؤمن وتبشيره به.
﴿لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ تقدم تفسير مثل هذا.
﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا﴾ قال ابن عطية : أي يقي من الحر والبرد. ويصح أن يريد أنه ظل لا ينتقل، كما يفعل ظل الدنيا فأكده بقوله : ظليلاً لذلك ويصح أن يصفه بظليل لامتداده، فقد قال عليه السلام :"إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مائة سنة ما يقطعها" انتهى كلامه. وقال أبو مسلم الظليل : هو القوي المتمكن. قال : ونعت الشيء بمثل ما اشتق من لفظه يكون مبالغة كقولهم : ليل أليل، وداهية دهياء. وقال أبو عبد الله الرازي : وإنما قال ظل ظليلاً لأن بلاد العرب في غاية الحرارة، فكان الظل عندهم من أعظم أسباب الراحة، ولهذا المعنى جعل كناية عن الراحة ووصفه بالظليل مبالغة في الراحة. وقال الزمخشري : ظليل صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيد معناه، كما يقال : ليل أليل، ويوم أيوم، وما أشبه ذلك وهو ما كان فينانا لا جوب فيه، ودائماً لا تنسخه الشمس. وسجسجا لا حرّ فيه ولا برد، وليس ذلك إلا ظل الجنة رزقنا الله بتوفيقه ما يزلف إليه التقيؤ تحت ذلك الظل. وفي قراءة عبد الله : سيدخلهم بالياء انتهى. وقال الحسن : قد يكون ظل ليس بظليل يدخله الحر والشمس، فلذلك وصف ظل الجنة بأنه ظليل. وعن الحسن : ظل أهل الجنة يقي الحر والسموم، وظل أهل النار من يحموم لا بارد ولا كريم. ويقال : إنّ أوقات الجنة كلها سواء اعتدال، لا حر فيها ولا برد. وقرأ النخعي وابن وثاب : سيدخلهم بالياء، وكذا ويدخلهم ظلاً، فمن قرأ بالنون وهم الجمهور فلاحظ قوله في وعيد الكفار :﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ ومن قرأ بالياء لاحظ قوله :﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ فأجراه على الغيبة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٧٥


الصفحة التالية
Icon