وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع. الاستفهام الذي يراد به التعجب في : ألم تر في الموضعين. والخطاب العام ويراد به الخاص في : يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا وهو دعاء الرسول صلى الله عليه وسلّم ابن صوريا وكعباً وغيرهما من الأحبار إلى الإيمان حسب ما في سبب النزول. والاستعارة في قوله : من قبل أن نطمس وجوهاً، في قول من قال : هو الصرف عن الحق، وفي : ليذوقوا العذاب، أطلق اسم الذوق الذي هو مختص بحاسة اللسان وسقف الحلق على وصول الألم للقلب. والطباق في : فتردّها على أدبارها، والوجه ضد القفا، وفي للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا، وفي : إن الذين كفروا والذين آمنوا، وفي : من آمن ومن صدّ، وهذا طباق معنوي. والاستطراد في : أو نلعنهم كما لعن أصحاب السبت. والتكرار في : يغفر، وفي : لفظ الجلالة، وفي : لفظ الناس، وفي : آتينا وآتيناهم، وفي : فمنهم ومنهم، وفي : جلودهم وجلوداً، وفي : سندخلهم وندخلهم. والتجنيس المماثل في : نلعنهم كما لعنا وفي : لا يغفر ويغفر، وفي : لعنهم الله ومن يلعن الله، وفي : لا يؤتون ما آتاهم آتينا وآتيناهم وفي : يؤمنون بالجبت وآمنوا أهدى. والتعجب : بلفظ الأمر في قوله : انظر كيف يفترون. وتلوين الخطاب في : يفترون أقام المضارع مقام الماضي إعلاماً أنهم مستمرون على ذلك. والاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع في : أم لهم نصيب وفي : أم يحسدون. والإشارة في : أولئك الذين. والتقسيم في : فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه. والتعريض في : فإذن لا يؤتون الناس نقيراً عرض بشدة بخلهم.
٢٧٥
وإطلاق الجمع على الواحد في : أم يحسدون الناس إذا فسر بالرسول، وإقامة المنكر مقام المعرف لملاحظة الشيوع. والكثرة في : سوف نصليهم ناراً. والاختصاص في : عزيزاً حكيماً. والحذف في : مواضع.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٧٥
الزعم : قول يقترن به الاعتقاد الظني. وهو بضم الزاي وفتحها وكسرها. قال الشاعر وهو أبو ذؤيب الهذلي :
فإن تزعميني كنت أجهل فيكمفإني شريت الحلم بعدك بالجهل
وقال ابن دريد : أكثر ما يقع على الباطل. وقال النبي صلى الله عليه وسلّم :"مطية الرجل زعموا". وقال الأعشى :
ونبئت قيساً ولم أبلهكما زعموا خير أهل اليمن
فقال الممدوح وما هو إلا الزعم وحرمه. وإذا قال سيبويه : زعم الخليل، فإنما يستعملها فيما انفرد الخليل به، وكان أقوى. وذكر صاحب العين : أنَّ الأحسن في زعم أنْ توقع على أنْ قال، قال. وقد توقع في الشعر على الاسم. وأنشد بيت أبي ذؤيب هذا وقول الآخر :
زعمتني شيخاً ولست بشيخإنما الشيخ من يدب دبيبا
ويقال : زعم بمعنى كفل، وبمعنى رأس، فيتعدى إلى مفعول واحد مرة، وبحرف جر أخرى. ويقال : زعمت الشاة أي سمنت، وبمعنى هزلت، ولا يتعدى. التوفيق : مصدر وفق، والوفاق والوفق ضد المخالفة.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الامَـانَـاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ سبب نزولها فيما رواه أبو صالح عن ابن عباس، وقاله : مجاهد والزهري وابن جريج ومقاتل ما ذكروا في قصة مطولة مضمونها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أخذ مفتاح الكعبة من سادنيها عثمان بن طلحة، وابن عمه شيبة بن عثمان بعد تأب منن عثمان ولم يكن أسلم، فسأل العباس الرسول صلى الله عليه وسلّم أن يجمع له بين السقاية والسدانة، فنزلت. فرد المفتاح إليهما وأسلم عثمان. وقال الرسول صلى الله عليه وسلّم :
٢٧٦
"خذوها ابني طلحة خالدة تالدة لا يأخذها منكم إلا ظالم". وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وقاله : زيد بن أسلم، ومكحول، واختاره أبو سليمان الدمشقي : نزلت في الأمراء أن يؤدوا الأمانة فيما ائتمنهم الله من أمر رعيته. وقيل : نزلت عامة، وهو مروي عن : أبي، وابن عباس، والحسن، وقتادة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٧٦
ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر وعد المؤمنين، وذكر عمل الصالحات، نبه على هذين العملين الشريفين اللذين من اتصف بهما كان أحرى أن يتصف بغيرهما من الأعمال الصالحة، فأحدهما ما يختص به الإنسان فيما بينه وبين غيره وهو أذاء الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، والثاني ما يكون بين اثنين من الفصل بينهما بالحكم العدل الخالي عن الهوى، وهو من الأعمال العظيمة التي أمر الله بها رسله وأنبياءه والمؤمنين. ولما كان الترتيب الصحيح أنْ يبدأ الإنسان بنفسه في جلب المنافع ودفع المضار، ثم يشتغل بحال غيره، أمر بأداء الأمانة أولاً ثم بعده بالأمر بالحكم بالحق. والظاهر في : يأمركم أنّ الخطاب عام لكل أحد في كل أمانة.