واختلفوا في الأوصاف الثلاثة التي بعد النبيين. فقال بعضهم : كلها أوصاف لموصوف واحد، وهي صفات متداخلة، فإنه لا يمتنع في الشخص الواحد أنْ يكون صديقاً وشهيداً وصالحاً. وقيل : المراد بكل وصف صنف من الناس. فأما الصديق فهو فعيل للمبالغة كشريب. فقيل : هو الكثير الصدق، وقيل : هو الكثير الصدقة. وللمفسرين في تفسيره وجوه : الأول : أنّ كل من صدق بكل الذي لا يتخالجه فيه شك فهو صديق لقوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِا أُوالَئاِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾. الثاني : أفاضل أصحاب الرسول. الثالث : السابق إلى تصديق الرسول. فصار في ذلك قدوة لسائر الناس. وأما الشهيد : فهو المقتول في سبيل الله، المخصوص بفضل الميتة. وفرق الشرع حكمهم في ترك الغسل والصلاة، لأنهم أكرم من أن يشفع فيهم. وقد تقدم الكلام في كونهم سموا شهداء، ولكن لفظ الشهداء في الآية يعم أنواع الشهداء الذين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وقال أبو عبد الله الرازي : لا يجوز أن تكون الشهادة مفسرة بكون الإنسان مقتول الكافر، بل نقول : الشهيد فعيل بمعنى فاعل، وهو الذي يشهد لدين الله تارة بالحجة بالبيان، وتارة بالسيف والسنان. فالشهداء هم القائمون بالقسط، وهم الذين ذكرهم الله في قوله :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّه لا إله إِلا هُوَ﴾. والصالح : هو الذي يكون صالحاً في اعتقاده وعمله. وجاء هذا التركيب على هذا القول على حسب التنزل من الأعلى إلى الأدنى، إلى أدنى منه. وفي هذا الترغيب للمؤمنين في طاعة الله وطاعة رسوله، حيث وعدوا بمرافقة أقرب عباد الله إلى الله، وأرفعهم درجات عنده.
وقال الراغب : قسم الله المؤمنين في هذه الآية أربعة أقسام، وجعل لهم أربعة منازل بعضها دون بعض، وحث كافة الناس أنْ يتأخروا عن منزل واحد منهم : الأول : الأنبياء الذين تمدهم قوة الإلهية، ومثلهم كمن يرى الشيء عياناً من قريب. ولذلك قال تعالى :﴿أَفَتُمَـارُونَه عَلَى مَا يَرَى ﴾. الثاني : الصديقون وهم الذين يزاحمون الأنبياء في المعرفة، ومثلهم كمن يرى الشيء عياناً من بعيد وإياه عني أمير المؤمنين حين قيل له : هل رأيت الله ؟ فقال : ما كنت لأعبد شيئاً لم أره ثم قال :"لم تره العيون بشواهد الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان. الثالث : الشهداء وهم الذين يعرفون الشيء
٢٨٧
بالبراهين. ومثلهم كمن يرى الشيء في المرآة من مكان قريب، كحال حارثة حيث قال : كأني أنظر إلى عرش ربي، وإياه قصد النبي صلى الله عليه وسلّم حيث قال :"اعبد الله كأنك تراه". الرابع : الصالحون، وهم الذين يعرفون الشيء باتباعات وتقليدات الراسخين في العلم، ومثلهم كمن يرى الشيء من بعيد في مرآة. وإياه قصد النبي صلى الله عليه وسلّم بقوله :"اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" انتهى كلامه. وهو شبيه بكلام المتصوفة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٨٢
وقال عكرمة : النبيون محمد صلى الله عليه وسلّم، والصديقون أبو بكر، والشهداء عمر وعثمان وعلي، والصالحون صالحو أمّة محمد صلى الله عليه وسلّم انتهى. وينبغي أن يكون ذلك على طريق التمثيل، وأما على طريق الحصر فلا، ولا يفهم من قوله : ومن يطع الله والرسول ظاهر اللفظ من الاكتفاء بالطاعة الواحدة، إذ اللفظ الدال على الصفة يكفي في العمل في جانب الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة لدخول المنافقين فيه، لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة، بل يحمل على غير الظاهر بأن تحمل الطاعة على فعل جميع المأمورات، وترك جميع المنهيات.
﴿وَحَسُنَ أُوالَـا ئِكَ رَفِيقًا﴾ أولئك : إشارة إلى النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. لم يكتف بالمعية حتى جعلهم رفقاء لهم، فالمطيع لله ولرسوله يوافقونه ويصحبونه، والرفيق الصاحب، سمي بذلك للارتفاق به. وعلى هذا يجوز أن ينتصب رفيقاً على الحال من أولئك، أو على التمييز. وإذا انتصب على التمييز فيحتمل أن لا يكون منقولاً، فيجوز دخول من عليه، ويكون هو المميز. وجاء مفرداً إمّا لأن الرفيق مثل الخليط والصديق، يكون للمفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد. وأمّا لإطلاق المفرد في باب التمييز اكتفاء ويراد به الجمع، ويحسن ذلك هنا كونه فاصلة، ويحتمل أن يكون منقولاً من الفاعل، فلا يكون هو المميز والتقدير : وحسن رفيق أولئك، فلا تدخل عليه مَن ويجوز أن يكون أولئك إشارة إلى مَن
٢٨
يطع الله والرسول، وجمع على معنى من ويجوز في انتصاب رفيقاً إلا وجه السابقة.


الصفحة التالية
Icon