وقرأ الجمهور : وحسُن بضم السين، وهي الأصل، ولغة الحجاز. وقرأ أبو السمال : وحسْن بسكون السين وهي لغة تميم. ويجوز : وحُسْن بسكون السين وضم الحاء على تقدير نقل حركة السين إليها، وهي لغة بعض بني قيس. قال الزمخشري : وحسن أولئك رفيقاً فيه معنى التعجب، كأنه قيل : وما أحسن أولئك رفيقاً. ولاستقلاله بمعنى التعجب : وحسْن بسكون السين. يقول المتعجب. وحسْنُ الوجه وجهك بالفتح والضم مع التسكين انتهى كلامه. وهو تخليط، وتركيب مذهب على مذهب. فنقول : اختلفوا في فعل المراد به المدح والذم، فذهب الفارسي وأكثر النحويين إلى جواز إلحاقه بباب نعم وبئس فقط، فلا يكون فاعلاً إلا بما يكون فاعلاً لهما. وذهب الأخفش والمبرد إلى جواز إلحاقه بباب نعم وبئس، فيجعل فاعلها كفاعلهما، وذلك إذا لم يدخله معنى التعجب. وإلى جواز إلحاقه بفعل التعجب فلا يجري مجرى نعم وبئس في الفاعل، ولا في بقية أحكامهما، بل يكون فاعله ما يكون مفعولاً لفعل التعجب، فيقول : لضربت يدك ولضربت اليد. والكلام على هذين المذهبين تصحيحاً وإبطالاً مذكور في علم النحو. والزمخشري لم يتبع واحداً من هذين المذهبين، بل خلط وركب، فأخذ التعجب من مذهب الأخفش، وأخذ التمثيل بقوله : وحسن الوجه وجهك، وحسن الوجه وجهك من مذهب الفارسي. وأما قوله : ولاستقلاله بمعنى التعجب، قرىء : وحسْن بسكون السين، وذكر أن المتعجب يقول : وحسن وحسن، فهذا ليس بشيء، لأن الفرّاء ذكر أن تلك لغات للعرب، فلا يكون التسكين، ولا هو والنقل لأجل التعجب.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٨٢
﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ الظاهر أن الإشارة إلى كينونة المطيع من النبيين، ومن عطف عليهم، لأنه هو المحكوم به في قوله :﴿فَأُوالَئاِكَ مَعَ الَّذِينَ﴾ وكأنه على تقدير سؤال أي : وما الموجب لهم استواؤهم مع النبيين في الآخرة، مع أن الفرق بينهم في الدنيا بين ؟ فذكر أنَّ ذلك بفضله، لا بوجوب عليه. ومع استوائهم معهم في الجنة فهم متباينون في المنازل.
وقيل : الإشارة إلى الثواب في قوله أجراً عظيماً. وقيل : إلى الطاعة. وقيل : إلى المرافقة. وقال الزمخشري : إنّ ما أعطى المطيعون من الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الله، لأنه تفضل به عليهم تبعاً لثوابهم، وذلك مبتدأ والفضل خبره، ومِن الله حال، ويجوز أن يكونَ الفضل صفةً، والخبر من الله، ويجوز أن يكونا خبرين على مذهب من يجيز ذلك.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ لما ذكر الطاعة وذكر جزاء من يطيع أتى بصفة العلم التي تتضمن
٢٨٩
الجزاء أي : وكفى به مجازياً لمن أطاع. قال ابن عطية : فيه معنى أن تقول : فشملوا فعل الله وتفضله من الاعتراض عليه، واكتفوا بعلمه في ذلك وغيره، ولذلك دخلت الباء على اسم الله تعالى لتدل على الأمر الذي في قوله : وكفى، انتهى. وقد بينا فساد قولَ مَن يدّعي أنَّ قولك : كفى بزيد معناه اكتف بزيد عند الكلام على قوله :﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾. وقال الزمخشري : وكفى بالله عليماً، بجزاء من أطاعه. أو أراد فصل المنعم عليهم، ومزيتهم من الله لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه، وكفى بالله عليماً بعباده، فهو يوفقهم على حسب أحوالهم انتهى. وهي ألفاظ المعتزلة.
﴿عَلِيمًا * يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر طاعته وطاعة رسوله، وكان من أهم الطاعات إحياء دين الله، أمر بالقيام بإحياء دينه، وإعلاء دعوته، وأمرهم أن لا يقتحموا على عدوهم على جهالة فقال : خذوا حذركم. فعلمهم مباشرة الحروب. ولما تقدم ذكر المنافقين، ذكر في هذه الآية تحذير المؤمنين من قبول مقالاتهم وتثبيطهم عن الجهاد، فنادى ولاً باسم الإيمان على عادته تعالى إذا أراد أن يأمر المؤمنين أو ينهاهم، والحذر والحذر بمعنى واحد. قالوا : ولم يسمع في هذا التركيب الأخذ حذرك لأخذ حذرك. ومعنى خذ حذرك : أي استعد بأنواع ما يستعد به للقاء من تلقاه، فيدخل فيه أخذ السلاح وغيره. ويقال : أخذ حذره إذا احترز من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يتقي بها ويعتصم، والمعنى : احترزوا من العدو. ثم أمر تعالى بالخروج إلى الجهاد جماعة جماعة، وسرية بعد سرية، أو كتيبة واحدة مجتمعة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٨٢
وقرأ الجمهور : فانفِروا بكسر الفاء فبهما. وقرأ الأعمش : بضمها فيهما، وانتصاب ثبات وجميعاً على الحال، ولم يقرأ ثبات فيما علمناه إلا بكسر التاء. وقال الفراء : العرب تخفض هذه التاء في النصب وتنصبها. أنشدني بعضهم :
فلما جلاها بالأيام تحيزتثباتاً عليها ذلها واكتئابها
ينشد بكسر التاء وفتحها انتهى. وأوفى أو انفروا للتخيير. وقال ابن عباس : هذه الآية نسختها. ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً﴾ قيل : وإنما عنى بذلك التخصيص إذ ليس يلزم النفر جماعتهم.


الصفحة التالية
Icon